أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد فبراير السنة 2005
سفر التكوين الأصحاح الرابع والثلاثون - من أقوال المجامع
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

سفر التكوين الأصحاح الرابع والثلاثون

  •  هذا الأصحاح مُحزن، يبدأ بالنجاسة ويُختم بالشراسة، يبدأ بالشهوة ويُختم بالانتقام. لكن الفضيحة التي حدثت في عائلة الإيمان، في هذا الأصحاح، ترجع إلى الأحداث المحزنة التي ختم بها الأصحاح السابق سواء في سكوت، أو في شكيم. فبمجرد أن رجع عيسو ورجاله إلى سعير، تابع يعقوب سيره، لا إلى «بيت إيل» كما طلب الرب منه (تك31: 13)، وكما وعد هو الرب قبل نحو عشرين سنة (تك28: 2—22)، بل توقف في منتصف الطريق ليقضي في «سُكُّوت» نحو عشر سنوات، حيث «بنى لنفسه بيتًا، وصنع لمواشيه مظلات» (تك33: 17). لقد كان المكان مناسبًا للمواشي، ولكنه مدمر للنفوس، ولكن «أتى يعقوب سالمًا إلى مدينة شكيم».

 وفي «شكيم» حاول يعقوب أن يُسكِّن ضميره ببناء مذبح وتقديم ذبائح، ودعا المذبح «إيل إله إسرائيل»، أي أن الله إلهه فقط، وليس إله عائلته! ولكن أ ليس هو مسئولاً عن بيته أيضًا؟ تُرى كيف كان حال بيته آنذاك؟ هذا ما نراه في هذا الأصحاح (تك34) الذي لا يُختم بمذبح، بل بمذبحة!

  •   اهتمام يعقوب بنفسه فاق كل اهتمام آخر. فليس فقط البيت بناه لنفسه في سُكُّوت، ولكن المذبح أيضًا أقامه لنفسه في شكيم. وإذ كان مشغولاً بذاته فقد نسى بيت إيل، بيت الله (قارن مع حجي1)، وفضَّل مصلحة مواشيه على الاهتمام ببيت الله، فخسر خسارة لا تُعوَّض؛ خسر أجمل شاة في البيت، ابنته الوحيدة التي كان من الممكن أن تملأ بيت أبيها، وبعد ذلك بيت رجلها، بالبهجة، لو أن الأمور سارت وفق مشيئة الله

بعض الملاحظات التي قيلت في مجمع المنيا – ديسمبر 2004

  •  في أصحاح 34 نقرأ عن النتائج المُرّة لتغرُّب يعقوب في شكيم: فضيحة في عائلة الإيمان، وهزيمة في نفس يعقوب. فدينة تنجست، ثم جاءت مذبحة أهل شكيم التي نفذها شمعون ولاوي بخديعتهما القاسية. ولولا سُكنى يعقوب في شكيم، لَما أصاب دينة ما أصابها من الذُل والهوان، ولَما أظهر شمعون ولاوي تلك القسوة والخديعة، ولَما أصاب يعقوب هذا الخوف والحزن والضجر وصغر النفس.

 إن خطوة واحدة على طريق الانحراف عن مركزنا قدام الرب، تنتهي بعديد من الخطايا والفضائح والأحزان. وهنا نرى النتائج السيئة لِما يمكن أن يحدث في البيوت وبين الأولاد، عندما يتجه الأب إلى العالم لأجل مصالحه الزمنية ويهمل علاقته مع الله. ولقد استخدم الله كل الظروف التي حول يعقوب لتأديبه وتدريبه «لا تضلوا! الله لا يُشمخ عليه. فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا» (غل6: 7). 

  •  قبل الطوفان، وضع الله الإنسان الساقط تحت حكم ضميره، لكي يتمكن الإنسان من أن يحكم نفسه بوازع من ضميره للامتناع عن الشر واتباع الخير. وبالرغم من سلطة ضمير الإنسان، فقد «فسدت الأرض أمام الله، وامتلأت الأرض ظلمًا .... إذ كان كل بشرٍ قد أفسد طريقه على الأرض» (تك6: 11، 12). وهكذا تبرهن أن ضمير الإنسان لا يصلح كسلطة.

 وبعد الطوفان، سمح الله بإقامة حكومة الإنسان، وصارت السلطة على الأرض للحاكم. ولكن لما كان الحاكم هو نفسه الإنسان الساقط، لذلك لم يكن منه إلا أنه استخدم سلطانه والسيف الذي بيده في فساده وظلمه، فأصبح طاغيًا. وكان أول هؤلاء الحكام الطغاة هو «نمرود» مؤسس مملكة بابل «الذي كان جبار صيد أمام (ضد) الرب» (تك10: 9). وهكذا تبرهن أيضًا أن حكومة الإنسان لا تصلح كسلطة.

 وفي تدبير الآباء، نرى حرص الله على استمرارية وجود سلطة على الأرض، لكنه لم يتركها للضمير ولا للحاكم، لكن أعطاها لرب البيت وخوَّل الله رأس العائلة سلطانًا وجعله مسئولاً أن يمارس هذا السلطان في مخافة الله ولأجل مجده. وعلى الأب المؤمن أن يمثل الله وسط بيته، ومن أجل ذلك يجب عليه أن يأتي باستمرار عند قدمي سيده، ليتعلم في الشركة معه، ماذا ينبغي أن يفعل والكيفية التي بها يفعل.

 ولقد كان أول الآباء هو إبراهيم الذي دعاه الله بالنعمة من وسط سلالة مؤسسي بابل المشتتة، وأخرجه من العالم المتمرد على الله. وفي تكوين 18: 17- 19 يقول الرب: «هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله ... لأني عرَّفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا برًا وعدلاً، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به». فبعدما تبرهن فشل الإنسان تحت الضمير، وفشل حكومته، أصبح المسئول عن إجراء سلطة الله على الأرض هو كل رب بيت في بيته.

  •   من المُحزن أن نقرأ أن دينة خرجت لتنظر بنات الأرض، أي لتعمل صداقة معهم، ولكيما تستمتع بما يستمتعون به. ولا يُخبرنا الوحي أن دينة استأذنت والديها قبل الخروج، ولا أنها أخبرتهما عن قصدها. وإننا لا نلتمس العذر ليعقوب على تركه ابنته الوحيدة تذهب إلى مدينة وثنية شريرة، دون حماية أو ملاحظة أو تحذير.

 

  •   في هذا الأصحاح نرى أمرين مؤلمين بالنسبة للسلطان المخوَّل من الله لكل رأس عائلة، فنجد:

 أولاً: أب لا يُمارس سلطانه، وهو يعقوب

 الذي لم يكن مُدركًا لمسئولياته أمام الله أولاً، وأمام أسرته ثانيًا. لقد فشل في أخذ مركزه الصحيح، وتخاذل عن القيام بمسئولياته كرأس العائلة. لقد تساهل في تربية أولاده، وترك لهم الحبل على الغارب حتى يفعلوا ما يشاءون. لم يدربهم في طُرُق الرب، ولم يضع أمام ضمائرهم إنذارات الرب. لا نراه مطلقًا يمارس سلطانه عليهم في إطار من المحبة والإعزاز. ولا نعتقد أنه بكى أمام الرب من أجلهم. بل على العكس، لم يكن منصفًا بين زوجاته وأولاده؛ كما رأينا في الأصحاح السابق

 وعندما سمع يعقوب بما حدث لابنته الوحيدة، التي لم تَعُد إلى بيته إلا بعد عدة أيام (تك34: 17، 26)، بدا عاجزًا على التصرف واتخاذ قرار. وليس ذلك فقط، لكنه أيضًا ترك سلطة إدارة شئون البيت واتخاذ القرارات لأولاده. وهنا قدم بنو يعقوب مشروعهم الخبيث لختان كل ذكر من أهل المدينة (تك34: 5، 7، 13).

 ثانيًا: أب يسيء استعمال سلطانه، وهو حمور، رئيس الأرض، وأبو شكيم،

 الشاب الذي أخذ دينة ابنة يعقوب واضطجع معها وأذلها، ثم قال لأبيه «خُذ لي هذه الصبية زوجة» (ع4). فخرج حمور أبو شكيم ليتكلم مع أولاد يعقوب قائلاً: «شكيم ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم. أعطوه إياها زوجة وصاهرونا» (ع8). لقد عكس ذلك الشاب الأحمق ترتيب الله، وتركه أبوه لهوى نفسه، ولم يغضبه قط، ولم يَقُل له لماذا فعلت هكذا؟! بل إنه يذهب إلى يعقوب وأولاده لتسوية المسألة وتقديم عرض الزواج ليأخذ ابنه الصبية التي أرادها. وكان هو وابنه مستعدان للدفع مهما ارتفع الثمن! (ع8- 11).

  •  نحن لا نسمع مطلقًا يعقوب يوصي بنيه وبيته أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برًا وعدلاً (تك18: 19). وفي الحقيقة نحن لا نرى في أولاده لا برًا ولا عدلاً، بل على العكس نرى شرًا وظلمًا. وهم لم يحفظوا طريق الرب، بل إن المُحزن أيضًا أن استخدموا الختان، وهو علامة عهد بين الله وعائلة الإيمان، كأسلوب لارتكاب جريمة قتل جماعية ومجزرة غير مُبررة على الإطلاق (قارن من فضلك تك17: 9- 14 مع تك34: 13- 17).

 إن سلطة وهيبة الأب في بيته وعلى أولاده، لا يمكن أن تُمارس إلا في الخضوع لله الذي منحها. وهكذا بالاتكال المستمر المتواصل على الرب والسير يوميًا معه، بهذا وحده يستطيع الإنسان أن يسوس بيته بالحق. وهو ما لم يفعله يعقوب!!

  •   إن حمور، باعتباره رئيس الأرض (ع2)، يأتي مع ابنه إلى باب مدينتهما، ليكلما أهل مدينتهما بكلمات الكذب والخبث والرياء، وليقدما لهم الإغراءات والوعود الكاذبة، إن قبلوا الشرط الذي وضعه بنو يعقوب. وكل هذا من أجل إتمام رغبة ابنه المُدلل. فيا لإساءة استعمال السلطان!! ويا لتعاسة الإنسان إذ أن «الأرض مُسلَّمة ليد الشرير»! (أي9: 24) ولذلك فالنجاسة والشراسة تسود، والظلمة الأدبية تغطي الأرض كلها.