أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد أبريل السنة 2016
مُلك الرب
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. لَبِسَ الْجَلاَلَ. لَبِسَ الرَّبُّ الْقُدْرَةَ، ائْتَزَرَ بِهَا. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ. لاَ تَتَزَعْزَعُ. كُرْسِيُّكَ مُثْبَتَةٌ مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ أَنْتَ. رَفَعَتِ الأَنْهَارُ يَا رَبُّ، رَفَعَتِ الأَنْهَارُ صَوْتَهَا. تَرْفَعُ الأَنْهَارُ عَجِيجَهَا. مِنْ أَصْوَاتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ غِمَارِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ، الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ. شَهَادَاتُكَ ثَابِتَةٌ جِدًّا. بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ» (مزمور ٩٣: ١-٥)

المزامير عمومًا - كما هو معروف – مُقسمة إلى خمسة أقسام. وكل قسم، أو كتاب، له طابعه الخاص الذي يُميّزه. والكتاب الرابع، والذي يقع مزمور ٩٣ ضمنه، له موضوعه الرئيسي: دخول البكر إلى العالم، ليزيل أنين عبيده الأمناء المُجرَّبين، ليطرح الإثم، وليتعامل بصفة خاصة مع مقاومي وأعداء الأيام الأخيرة الألداء، وليُقيم ملكوته وسط أسباط إسرائيل؛ الملكوت الذي سيمتد ليشمل العالم بأسره.

«اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ» ... وهذا ما سيتحقق عند ظهور المسيح، وليس قبل ذلك. ومزمور ١٠٢ يُثبت الحقيقة الراسخة أن الشخص الذي جاء يومًا بلباس الاتضاع، هو ذاته الرب يهوه؛ وأن الذي في يوم ألمه وحزنه قال: «ضَعَّفَ فِي الطَّرِيقِ قُوَّتِي، قَصَّرَ أَيَّامِي. أَقُولُ: يَا إِلَهِي، لاَ تَقْبِضْنِي فِي نِصْفِ أَيَّامِي»، جاءته الإجابة: «إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ سِنُوكَ. مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ» (مز١٠٢: ٢٣-٢٧؛ عب١: ١٠-١٢). وهكذا نرى أنه حتى في يوم اتضاعه فهو لا يزال “يهوه” صاحب السلطان. وعندما يبني صهيون في يوم قادم، سيظهر باعتباره يهوه في كل مجده، وسيمهد لملكوته بدينونات مريعة. والكتاب شاهد على ذلك. فهو ينبغي أن يتعامل مع بابل الزانية العظيمة، ويبيدها، وإن كان ذلك سيتم بواسطة الوحش والملوك العشرة قبيل ظهور المسيح؛ وينبغي أن الأسباط تتنقى من تمردها، وأن تخفض رفعة الأشوري. كما ينبغي أن يُطرح الوحش وإنسان الخطية في بحيرة النار.

إنه لفكر خاطئ ومغلوط، أن مُلك السلام سيحل بوسائل هادئة، كأن يُذاع إنجيل نعمة الله الحاضر، إلى أن يسود على العالم. كلا! إن قصد الله من الإنجيل أن يجمع شعبًا خارجًا إليه؛ إلى اسمه، ليتشاركوا مع المسيح إرثه، وليكونوا أعضاء جسده بالروح القدس، بينما هو في الأعالي.

نحن لا نُنكر فاعلية الإنجيل الكفيلة بتغيير العالم. مبارك هو الله لأن الأمر كذلك. ولكن الكتاب لا يُعلِّم أن كل العالم سيقبل الإنجيل، بل على العكس، المكتوب - بطوله وعرضه – يؤكد عكس ذلك. فعلى الرغم من عدم إيمان الإنسان، ورفضه الحق، إلا أن الله يُجري مقاصده بهدوء نحو إكرام ابنه، الذي يجلس عن يمين الآب، منتظرًا حتى تُضع أعداءه موطئًا لقدميه. حينئذٍ سيظهر ليس ليُهلِك بعض أعدائه، بل ليُرسل قضيب قوته من صهيون، وليحكم في وسط أعدائه، وليضرب ملوكًا في يوم غضبه.

وخطأ بذات القدر أن نفترض أن مًلك المسيح قد حلَّ الآن! لا شك أن الله يتسامى في حكمه في كل مكان وزمان، وإن كان لا يدين الإثم عاجلاً، ويُسخِر شر الإنسان لخدمة مشيئته، إلا أنه لا يزال من غير الممكن تطبيق لغة مزمورنا (مز٩٣)؛ «اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ». ما زالت أزمنة الأمم تتابع، وما زالت الوحوش على طبيعتها ولم تُنزع عنها وحشيتها. وما زال ابن الإنسان بلا سلطته الملكية. أما الافتراض أن مُلك المسيح قد حان، فمعناه الوقوع في الخطأ الكارثي الذي وقع فيه الكورنثيون الذين يُخاطبهم الرسول بولس بالقول: «إِنَّكُمْ قَدْ شَبِعْتُمْ! قَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ! مَلَكْتُمْ بِدُونِنَا! وَلَيْتَكُمْ مَلَكْتُمْ لِنَمْلِكَ نَحْنُ أَيْضاً مَعَكُمْ!» (١كو٤: ٨). فوقت المُلك لم يكن قد حضر في زمان الرسول، مهما افتكر الكورنثيون الجسديون بشأنه. فقد احتمل الرسول بولس عار الصليب بأمانة، وقنع بأن يُحسب قذر العالم، ووسخ كل شيء. ولم يرغب أبدًا في أن ينعم بكرامة أو تعزية، حيث لم يكن لربه وسَيِّده سوى الصليب والقبر. أما بابل فهي التي تُمجِّد نفسها، وتتنعم في عيشها «لأَنَّهَا تَقُولُ فِي قَلْبِهَا: أَنَا جَالِسَةٌ مَلِكَةً، وَلَسْتُ أَرْمَلَةً، وَلَنْ أَرَى حُزْنًا» (رؤ١٨: ٧).

فالمُلك في الحاضر طابعه وفحواه الضيق والصبر (رؤ١: ٩؛ أع١٤: ٢٢)، وقريبًا سيُستعلن بالقوة والمجد. الآن المسيح مُستتر، أما حينئذٍ فسيُظهَر. الآن يُعاني الأبرار ويزهو الأشرار، أما حينئذٍ فسيتمجد البار في حين يُداس الشرير كالرماد تحت الأقدام. الآن تئن الخليقة وتتمخض، وحينئذٍ ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. كم هو التباين بين الحالين!

حينئذٍ سيكون زمن استعلان يهوه: «لَبِسَ الْجَلاَلَ. لَبِسَ الرَّبُّ الْقُدْرَةَ، ائْتَزَرَ بِهَا». وستكون النتيجة: «تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ. لاَ تَتَزَعْزَعُ». وهذا تعبير أدبي يعني ولا ريب أن أساسات الأرض لن تكون حينئذٍ كما هي الآن؛ متزعزعة، بل ستكون مستقرة آمنة تحت حكم المسيح. ليس المعنى أن قوة جديدة ستعمل، لأننا نقرأ: «كُرْسِيُّكَ مُثْبَتَةٌ مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ أَنْتَ»، ولكن قوة جديدة ستبرز، فقد سمح الله للإثم أن يجري، كما سمح للأنهار أن ترفع عجيجها، ولسيول الهلاك - أي الناس الفجار (مز١٨: ٤) - أن ترفع صوتها. ولكن في يوم قادم، وهو ما نتكلَّم عنه، سيظهر المسيح في قوته ليطرح الشر إلى أسفل. ولن يطل التعدي برأسه القبيح بعد «وَيَكُونُ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ الرَّبُّ وَحْدَهُ وَاسْمُهُ وَحْدَهُ» (زك١٤: ٩). ولا تزال تعزية النفس الحقيقية - في وسط شغب الفجار – أنه «مِنْ أَصْوَاتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ غِمَارِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ، الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ». وستبرهن البقية التقية اليهودية، وهي تجتاز ضيقة الأيام الأخيرة، على حلاوة هذا الوعد. والأمر ذاته تختبره نفوسنا أيضًا على قياس ما، في الوقت الحاضر، لبركتها وراحتها.

مبدآن هامان يرسيهما العدد الأخير: ثبات ويقينية كلمة الله، ثم القداسة التي تليق ببيت الله إلى الأبد «شَهَادَاتُكَ ثَابِتَةٌ جِدًّا. بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ».

«شَهَادَاتُكَ ثَابِتَةٌ جِدًّا» ... يا لها من راحة للقلب في وسط غمار وطوفان الفجور والتشويش؛ في وسط نصرة الشر، واحتجاب قوة الله! ونحن هنا على أرضية يهودية متميزة، كما هو الحال في مزامير كثيرة. ولكن لنا كلمة الله، كما هي لهم.

في رسالة الرسول بولس الثانية إلى تيموثاوس، حيث يرسم الروح القدس المسيحية المرتدة بظلال قاتمة، يُوَّضح لنا أن الكلمة المكتوبة في كل كمالها، موضوعة أمامنا كمصدر وحيد لنا، لأنها وحي الله، وهي قادرة أن تُحكمنا للخلاص، ونافعة للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البِرِّ (٢تي٣: ١٥، ١٦). وكان على تيموثاوس أن يهتم بأن يُبشر بالكلمة، حتى وإن كانت جمهرة السامعين يطلبون مُعلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، مُنحرفين عن الحق إلى الخرافات (٢تي٤: ٣، ٤). وسط ذلك كله فإن كلمة الله كفيلة بأن ترسي أرضية صلبة للإيمان، في حين يهجرها غالبية المسيحيين. هل حقيقة نؤمن بذلك؟

ومهما كان الشر عميقًا ومُتفشيًا، فإن الإيمان لا يزال يتمسك بما يليق بالله: «بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ». فطبيعة الله وشخصيته لا يمكن أن تتغيرا. ومقاييسه وأهدافه لا يمكن أن تنخفض، مهما كانت طبيعة الأيام. والإيمان يرفض أن يُساير التيار، حتى وإن كان سريع الجريان. ولكن يهدف إلى القداسة، سواء من جانب الجماعة، أو على مستوى الفرد. نحن لسنا أحرارًا في أن نُهادن الشر، والأفضل كثيرًا أن نمضي قُدمًا منفردين، على أن نفعل ذلك. فحق الله أولى بأن يُتبع بالانفصال عن الشر، مهما كانت التكلفة، إذا رغبنا في نوال مصادقته.

ويبدو أمرًا بديهيًا للكثيرين في أيامنا أن طريق الله هو أن نشق طريقنا في مواجهة الشر، ونحن نُصارع ونعج ونزأر ونحتج ضده. ولكن الكتاب لا يُعلمنا هكذا. الطريق الذي رسمه الكتاب هو الانفصال عن كل ذلك إلى اسم الرب. العالم قد يتساهل مع المعترض المحتج، ولكنه لا يقبل المنفصل انفصالاً مُقدسًا.

ماذا يمكن أن يكون أسهل من توصيات ٢تيموثاوس ٢: ١٩-٢١ «لْيَتَجَنَّبِ الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ ... فَإِنْ طَهَّرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ (آنِيَة الْهَوَان)، يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدًّا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ». هذا هو سبيل الله، والأفضل لنا أن نرتاده، ونمضي فيه عاملين مشيئته.

إن القداسة ليست هي طابع البيت الكبير، بل صورة التقوى دون قوتها، حيث تتفشى الوثنية تحت غطاء اسم الرب (قارن رو١؛ ٢تي٣). فالانفصال عن الشر هو مبدأ الله، رغم أنه مُكلّف. ولكن الله يحتفظ لنفسه دائمًا بسبعة آلاف ركبة «لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ» (١مل١٩: ١٨). ليت لنا شرف أن يعدنا ضمنهم!

و.و. فراداي