أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يونيو السنة 2006
إله النجاه لا يعد المنفذ قبل الأوان - الله في سفر أستير
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«ومَنْ يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى المُلْك» (أس4: 14).

ثانيًا: كيفية إعداد المنفذ

 كيف أعد الله المنفذ قبل الأوان في سفر أستير؟

  • لقد أوصل الله أستير إلى المُلك مستغلاً مشورة الغلمان الحمقاء التي أشاروا بها على الملك أحشويروش في كيفية اختيار زوجة! فما أعظم سلطانه!
  • لقد أعطى الرب نعمة لأستير في عيني الملك بعد زواجه منها، فأحبها حبًا شديدًا! فما أعظم نعمته! لكن يبدو أن العرش والحب كانا غير كافيين في نظر إله النجاة ليصنعا المنفذ المناسب وقتما تأتي التجربة! لذلك كان لا بد من المزيد.
  • استغل إله النجاة محاولة اغتيال الملك على يد بغثان وترش خصيا الملك وحارسي بابه، وكشف السر لمردخاي فقط ! فما أعظم علمه!
  • قاد الرب مردخاي ليتصرف بحكمة، فلم يخبر الملك مباشرة، لكنه أخبر أستير لتخبر بدورها الملك، وهكذا أصبح الملك مدينًا لأستير بحياته! فما أعظم حكمته!

 وهنا نرى إضافة جديدة لهذه العلاقة الوليدة وهي في مهدها، إضافة جعلت الملك ليس فقط يزداد حبًا لهذه الملكة الجميلة، بل أيضا يمتلئ بالاحترام لها، والإعجاب بها. فقد عرفت ما لم يعرفه جهاز أمنه، وكشفت ما لم تكشفه هيئة استخباراته، وأصبح بالتالي بين ليلة وضحاها مدينًا لها بحياته! أي أنها لم تعد الزوجة الحبيبة فقط، بل البطلة المنقذة أيضًا! وعليه بالطبع وهو ملك ملوك، غني وكريم، أن يسد هذا الدين بمثله أو أكثر، وكان هذا هو المنفذ المطلوب بالضبط إعداده طبقًا لخطة إله النجاة. فبعد أربع سنوات من هذه الحوادث، أتى الشيطان بهامان الأجاجي العماليقي عدو اليهود، وزرعه في أعلى منصب بالمملكة، ليجهز من خلاله خطة جديدة من خططه الخبيثة لمنع مجيء المخلِّص، وذلك بمحاولة إبادة الجنس الذي منه سيأتي المسيح. لكن بعد أن بذل الشيطان كل ما في وسعه من جهد ليصنع هذا الرجل الرديء، ثم بذل كل الجهد ليصل به إلى مركز صنع القرار ليتمكن من إنجاز خطته الخبيثة، وبعد أن نجح فعلاً في التأثير على الملك، واستصدر القرار المشئوم بإبادة جميع جنس اليهود، بعد أن نجح في الوصول لهذا كله، فوجئ التعس أن إله النجاة، الذي يعد المنفذ لشعبه قبل الأوان، كان قد سبقه بأكثر من أربع سنوات كاملة وزرع في القصر ذاته، لا وزيرًا مقربًا، بل زوجة محبوبة وملكة متوجة، متوجة على عرش قلب زوجها قبل أن تكون متوجة على عرش ملك بلاده! زرعها لا في قصر الملك بل في قلبه أيضًا! زرعها في القصر وجعلها ليست مدينة للملك باختياره لها، بل دائنة له بإنقاذ حياته! فما أعجبه إلهًا!!

 ولقد كان هذا هو المطلوب بالضبط ليخلق المنفذ المطلوب إعداده، حتى إذا جاءته في يوم قائلة: «إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك أيها الملك، وإذا حسن عند الملك، فلتعطَ لي نفسي بسؤلي، وشعبي بطلبتي. لأننا قد بعنا أنا وشعبي للهلاك والقتل والإبادة» (أس7: 3)؛ ما كان من الملك إلا الذهول والانزعاج الشديد، ليقول لأستير الملكة بغيظ رهيب: «من هو؟ وأين هو هذا الذي يتجاسر بقلبه على أن يعمل هكذا؟» (أس8: 5). وعندما علم الملك منها أنه هامان، وعلى الرغم من كونه رجله الأول ووزيره المفضل المكرَّم وصاحب سره، إلا أن قرار الملك كان سريعًا حاسمًا دون أدنى تردد: «اصلبوه» ، وكيف يكون هناك تردد والأمر يختص بأستير زوجته الحبيبة ومنقذته العظيمة؟

 وهنا أسأل إخوتي وأحبائي المؤمنين:

 ما رأيكم في إله النجاة؟ أ ليس هو جديرًا بثقتنا؟ ما رأيكم في روعة حكمته وعظمة سلطانه؟ أ ليس هو جديرًا باتكالنا الكامل عليه؟ هل نخاف من تجربة تفاجئنا ولنا إله بهذه العظمة؟ هل نخشى شرًا يبغتنا ولنا إله وأب عظيم قد سبق وأعد لنا منافذنا؟ فإن كان هامان هو التجربة فأستير هي المنفذ، لذلك ثق عزيزي المؤمن: لا هامان بدون أستير. ودائمًا توجد أستير قبل وجود هامان! كم هو حري بنا أن نطيع قوله الكريم: «ثقوا، أنا هو لاتخافوا».

 لكن هنا أود أيضًا أن أتوقف معك، عزيزي القارئ، وقفة قصيرة عند حادثتين مشهورتين للغاية تؤكدان بقوة هذا الفكر، أن إلهنا دائمًا وأبدًا يعد المنفذ قبل التجربة.

 قصة النجاة العظيمة

 هناك قصة وحيدة في الكتاب وصفها صاحبها بأنها قصة نجاة عظيمة، فهل تعرفها عزيزي القارئ؟ إنها قصة يوسف. ويوسف نفسه هو صاحب هذا الوصف ”نجاة عظيمة“، لكنه لم يقصد به نجاته هو، بل نجاة عائلته من الموت جوعًا! ولقد وصفها بهذا الوصف لأن عظمة المنجي كإله النجاة، الذي يعد المنفذ قبل الأوان، لم تظهر كما ظهرت في هذه القصة! ولا سيما من جهة حنكة وروعة إعداد المنفذ! وعندما نتأمل كلمات يوسف عندما عرَّف إخوته بنفسه، نرى فيها بكل الوضوح كيف فهم يوسف هذا.

 فَقَالَ: «أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ. وَالْآنَ لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا لأَنَّهُ لِاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ. لأَنَّ لِلْجُوعِ فِي الأَرْضِ الْآنَ سَنَتَيْنِ. وَخَمْسُ سِنِينَ أَيْضاً لاَ تَكُونُ فِيهَا فَلاَحَةٌ وَلاَ حَصَادٌ. فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً. فَالْآنَ لَيْسَ أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمُونِي إِلَى هُنَا بَلِ اللهُ.

 لاحظ، عزيزي القارئ، ثلاث مرات، يكرر يوسف ويؤكد أن مجيئه إلى مصر ووصوله للعرش لم يكن سوى إرسالية فيقول: ”أرسلني الله“، حتى كأنني أكاد أسمعه يكرر نفس كلمات مردخاي عندما قال لأستير: «ومن يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك»، مع فارق هام، أنه هو هنا الذي يقول هذا بنفسه، وليس آخر يقولها له، كما قال مردخاي لأستير. كما أن لغته لا تحمل التساؤل كمردخاي عندما قال ”من يعلم؟“ بل لغة اليقين، إذ كان هو فعلاً يعلم أنه لهذا الوقت قد وصل إلى السلطة. فكان كمن يقول: ”إني أعلم أنني لهذا الوقت وصلت للسلطة“. ثم لاحظ أنه مرتان يكشف عن زمن الإرسالية فيقول: ”أرسلني الله قدامكم“. أي قبل مجيئهم هم إلى مصر! أي قبل أن تحل بهم تجربة الجوع! ثم يكشف عن غرض هذه الإرسالية فيقول: ”ليستبقي لكم نجاة عظيمة“، أي ليكون لهم منفذ للنجاة! وعليه إن جمعنا معًا هذه الأفكار الثلاثة- المرسل: الله؛ وزمن الإرسالية: قدامكم؛ وغرض الإرسالية: نجاة عظيمة. يمكننا بسهولة أن نقول إن الله إله النجاة، أرسل يوسف قبل وقت التجربة، ليكون المنفذ عند حدوثها! أي أن إله النجاة أعد المنفذ قبل الأوان.

 وفي مزمور 105 يؤكد الروح القدس نفس الفكرة فيقول:

 «دَعَا بِالْجُوعِ عَلَى الأَرْضِ. كَسَرَ قِوَامَ الْخُبْزِ كُلَّهُ. أَرْسَلَ أَمَامَهُمْ رَجُلاً. بِيعَ يُوسُفُ عَبْدًا».

 لاحظ الترتيب البديع: فهو دعا بالجوع، ولكن قبل أن يحل الجوع بحوالي عشرين سنة كان قد سبق ودبَّر المنفذ، إذ أرسل أمامهم رجلاً!!

 لكن يبقى أن هناك فارقًا هامًا بين أستير ويوسف كمنفذين أعدهما إله النجاة لخلاص شعبه، فبينما صارت أستير منفذًا من خلال إحسان كبير أحسن به الرب إليها، صار يوسف منفذًا من خلال ضيق مرير سمح به الرب له!! ومن هذا نتعلم أن إله النجاة لا يستخدم فقط الإحسان، كمنفذ قبل الأوان، بل يستخدم الضيق أيضًا الذي نجتاز فيه اليوم بسماح من الرب، كمنفذ عظيم يعده إله النجاة قبل الأوان لاستبقاء حياة ونجاة.

بينما صارت أستير منفذًا من خلال إحسان كبير أحسن به الرب إليها، صار يوسف منفذًا من خلال ضيق مرير سمح به الرب له!!

 الله يرى له الخروف للمحرقة

 أما الحادثة الثانية التي نرى فيها الله كإله النجاة الذي يعد المنفذ قبل الأوان فهي حادثة الدهور: ”الفداء والصليب“. فقبل أن يسقط الإنسان في الخطية، بل وقبل وجود الإنسان ووجود الخطية، كان الله قد سبق وأعد العلاج الكامل من خلال ذبيحة المسيح. ويتضح هذا من خلال تلك العبارة البديعة التي نطق بها إبراهيم كإجابة عن سؤال إسحاق، السؤال الذي سحق قلب الأب: «يا أبي. فقال هأنذا يا ابني. فقال: هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني». هنا نرى إبراهيم رجل الإيمان ينطق بهذه الكلمات مسوقًا من الروح القدس. فمن الجانب الإنساني كان إبراهيم يعلم من هو المطلوب للمحرقة، لكن مشاعره كأب لم تحتمل أن يخبر ابنه بهذا. لكن من الجانب الإلهي صحيح أن اسحاق كان هو المطلوب للمحرقة طبقًا لأمر الله، لكن لم يكن هو المحرقة طبقًا لمقاصد الله! لهذا وذاك ساق الروح القدس إبراهيم لينطق بهذه العبارة، لكي يخرج بها من ورطته، ومن جانب آخر ليكشف عن سر عظيم بعبارة كتب لها الخلود!: ”الله يرى له الخروف للمحرقة“.

 وما يهمني التوقف عنده هنا هو أنه لم يقل: ”الله سيرى له خروفًا للمحرقة“، كلا فليس أن الله سيرى، أي سيبحث عن حل، حاشا فهو يرى من الآن، بل ومن قبل تأسيس العالم.

 ثم يرى ”له“ أي لن يأخذه من يد أحد، فمن يقدر على تقديم كفارة لله؟ لذلك هو يرى لنفسه أي أنه أعد بنفسه ولنفسه الخروف للمحرقة!

 ثم ليس يرى خروفًا، وكأنه خروف من ضمن الخراف الكثيرة التي تصلح، حاشا، بل يرى له ”الخروف“ فهو حمل واحد وحيد يصلح لهذه المهمة العظيمة. يصلح ليكون هو المنفذ من كارثة الخطية المروعة. لذلك أشار إليه المعمدان بفرح بمجرد أن رآه قائلاً: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم»، فكان كمن يقول لتلميذيه: ”هذا هو المنفذ ولست أنا. ما أنا سوى خادم يشير لكم على علامة الـEXIT أي على مهرب النجاة من حِمل الخطية وقصاصها المروع، لذلك يقول الكتاب: «فتركه التلميذان وتبعا يسوع».

 وإذا رجعنا لبقية أحداث القصة سنرى المزيد الذي يؤكد أن إله النجاة أعد المنفذ قبل الأوان! فبعدما تكلم الرب مع إبراهيم لكي لا يمد يده إلى الغلام يقول الكتاب: «فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكاً فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ. فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ، وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضاً عَنِ ابْنِهِ. فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ”يَهْوَهْ يِرْأَهْ“».

 لاحظ، كلمة ”وراءه“. فالكبش موجود وراء إبراهيم! أ ليس في هذا إشارة إلى قوله: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن»؟ أ ليس هذا أيضًا ما ذكره المعمدان بالقول: ”كان قبلي“؟ نعم هو قبلنا، وقبل دخول الخطية التي جاء كمنفذ لنا منها، بل هو الأزلي.

 ولاحظ أيضًا كلمة ”ممسكًا بقرنيه في الغابة“ أ لا تعني أنه: ”معد وجاهز للتقديم“؟ إنه لم يعد حديثا بعد أن احتاجه إبراهيم، كلا، إنه مجهز قبل أن ينظر إليه إبراهيم! ولم يكن على إبراهيم سوى أن يرفع عينيه لينظر المنفذ الذي أعده إله النجاة. لذلك ذهب بكل بساطة وأخذه وأصعده!!!

 لذلك أقول لكل مؤمن: في وقت التجربة لا تنتظر المنفذ، فقط ارفع عينيك وانظر، ستجد المنفذ. وأقول لكل شخص لم يختبر روعة الخلاص المجاني المقدم من إله النجاة: لا تضِع وقتك وجهدك في إيجاد أو إعداد منفذ، فليس بأحد غيره الخلاص، وكل ما عليك هو أن ترفع عينيك إليه وهو مصلوب لأجلك لترى فيه المهرب الوحيد من الهلاك الأبدي. ليس عليك أن تعد، فإله النجاة قد سبق وأعد كل شيء إنه يقول: «هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء معد. تعالوا إلى العرس».

 إذًا فهذه العبارة ”الله يرى له الخروف للمحرقة“ تكشف عن روعة الله كإله النجاة، مع فارق أنه هنا نراه أعد المنفذ قبل الأوان، لا ليخلص عائلة كما حدث مع يوسف، ولا ليخلص شعبًا كما حدث مع أستير، لكن ليخلص الخليقة كلها من مأساة هي أعظم مأساة حلت بالبشرية، ألا وهي مأساة الخطية. كما أنه أعد هذا المنفذ ليس قبل أربع سنوات مثلما حدث في قصة أستير، ولا قبل عشرين سنة كما حدث في قصة يوسف، لكنه أعد المنفذ قبل دخول الخطية، وقبل خلق الإنسان، بل وقبل تأسيس العالم، كما يقول الرسول بطرس: «عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الأباء، بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح، معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم»!

 والمقصود بالعبارة الأخيرة: ”معروفًا قبل تأسيس العالم“، هو أن المسيح معروف، أي معيَّن لهذه المهمة، مهمة الفداء، من قبل تأسيس العالم!

 ويا لروعة هذا الفكر! فالله لم يفاجأ بدخول الخطية، بل عندما دخلت الخطية، كان قد سبق واستقرت عيناه على خروف للمحرقة! استقرت عيناه على ابن محبته، هذا الذي قال له: «بذبيحة وتقدمة لم تسر. أذنيَّ فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت: ”هأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت، وشريعتك في وسط أحشائي» (مز40: 6-8).

 (يُتبَع)

ماهر صموئيل