أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد سبتمبر السنة 2022
مرض أَخَزْيَا وموته
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

يُلاحظ أن سفر الملوك الأول يُفتتح بالحديث عن ”أَدُونِيَّا ابْنَ حَجِّيثَ“؛ الابن الذي تَرَفَّعَ ليُمجّد نفسه ويحل محل الوريث الشرعي للعرش، وينتهي السفر بابن يروج لعبادة الأصنام لإزاحة الرب جانبًا! ويواصل الوحي في سفر الملوك الثاني الحديث عن موت الابن الأخير؛ ”أَخَزْيَا بْنُ أَخْآبَ مَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ“، الذي «عَبَدَ الْبَعْلَ وَسَجَدَ لَهُ وَأَغَاظَ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ أَبُوهُ» (١مل ٢٢: ٥٣). ويُظهر تاريخ حكمه القصير الذي لم يدم أكثر من عامين أنه كان تاريخًا من الفشل الذريع، من البداية إلى النهاية.

(١) فشل في التعلَّم من الماضي:

إن التقرير أن «أَخَزْيَا بْنُ أَخْآبَ ... عَمِلَ الشَرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَسَارَ فِي طَرِيقِ أَبِيهِ وَطَرِيقِ أُمِّهِ، وَطَرِيقِ يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ» (١مل ٢٢: ٥٢)، هو اتهام ثلاثي لطرقه الشريرة، ويدل على أنه لم يتعلَّم شيئا على الإطلاق من الأحكام القضائية التي صدرت من الله على مرتكبي الشـر الثلاثة الرئيسيين في مملكة إسرائيل؛ يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ، وأَخْآب، وإِيزَابَل. لقد نشأ في سياق تدخلات الرب الدراماتيكية في حياة والديه، ولكنه لم يتدرب روحيًا بالتأديب، بل قسـى قلبه، واستمر في نفس الاتجاه والتَوَجُّه.

(٢) فشل في قراءة الدلالات السياسية:

إن استخدام المؤرخ لحرف العطف ”و“ في بداية سفر الملوك الثاني أمر مهم: «وَعَصـَى مُوآبُ عَلَى إِسْرَائِيلَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخْآبَ» (ع ١). كان تمرد مُوآب أحد نتائج عهد أخآب الشرير. كان الموآبيون تحت نير بني إسرائيل منذ عهد داود: «وَضَرَبَ (دَاوُدُ) الْمُوآبِيِّينَ وَقَاسَهُمْ بِالْحَبْلِ. أَضْجَعَهُمْ عَلَى الأَرْضِ، فَقَاسَ بِحَبْلَيْنِ لِلْقَتْلِ وَبِحَبْل لِلاسْتِحْيَاءِ. وَصَارَ الْمُوآبِيُّونَ عَبِيدًا لِدَاوُدَ يُقَدِّمُونَ هَدَايَا» (٢صم ٨: ٢). ومع ذلك، بعد هزيمة إسرائيل وموت أخآب على أيدي الأراميين (١مل ٢٢: ٣٤ - ٣٧)، انتهز الأراميون الفرصة ليكونوا أحرارًا. وفي الواقع، بعد فترة وجيزة، قاموا بغزو فاشل لمملكة يهوذا (٢مل ٣: ٢١ - ٢٧).

لو كان ”أَخَزْيَا“ قد فكر بجدية في طبيعة عهد أَخْآبَ، لكان قد أدرك أن أباه قد ترك المملكة في حالة محفوفة بالمخاطر، ناضجة للتمرد عليها. وكان تجاهله للرب يعني أنه لم يميز يد الرب المضادة لشؤون المملكة! Arabic translation. 

(٣) فشل في قراءة المعاملات الشخصية:

إذا كان أَخَزْيَا قد عَمِيَ عن تمييز يد الرب التي تتحرك في الساحة السياسية الأوسع، فليس من المستغرب أنه فشل في رؤية الرب يعمل في حياته الشخصية. لم يكن من قبيل الصدفة أنه «سَقَطَ ... مِنَ الْكَوَّةِ الَّتِي فِي عُلِّيَّتِهِ الَّتِي فِي السَّامِرَةِ فَمَرِضَ» (ع ٢). يقترح ”كيل“ أن ”الْكَوَّةِ“ كانت إما نافذة مُزوَّدة بمشرابية شبكية، أو باب في الشباك في الغرفة العليا من القصر. وقد ظهر ازدراء ”أَخَزْيَا“ المُطلق للرب عندما «أَرْسَلَ رُسُلاً وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا اسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلهَ عَقْرُونَ إِنْ كُنْتُ أَبْرَأُ مِنْ هذَا الْمَرَضِ» (ع ٢). من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه لم يطلب أو يسأل من أجل الشفاء.

كانت ”عَقْرُونُ“ مدينة فلسطينية في أقصى الشمال، وكانت مركز عبادة ”بَعْلَ زَبُوبَ (رب الذباب)“، والذي كان أحد الأسماء التي استخدمها الأعداء للسخرية من الرب يسوع (مت ١٠: ٢٥ - هناك دُعي بَعْلَزَبُولَ). يعتقد العديد من الشراح أنه كان إلهًا اشتهر بإمكانياته العلاجية، بالإضافة إلى توفير الحماية ضد الذباب، الذي يتسبب في الأمراض. ويقترح آخرون أنه كان صنمًا في شكل ذبابة. ومهما كانت الإجابة الصحيحة، فإن النقطة الأساسية هي أن ”أَخَزْيَا“ تصرف في عصيان كامل وصريح لكلمة الله التي تأمر: «لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي» (خر ٢٠: ٣). وهو يُذكرنا بالملك شاول من قبله، الذي طلب المساعدة من المصدر الخطأ في ساعة حاجته القصوى (١صم ٢٨: ٧ - ٢٠).

من الصعب أن نُجزم السبب الذي جعل أَخَزْيَا يُرسل الرُسُل مسافة خمسة وأربعين ميلاً (اثنان وسبعون كيلومترًا)، بدلاً من طلب مساعدة في متناول اليد. وربما كان لمعركة إيليا ضد عبادة الأصنام في الكرمل قبل عشر سنوات أثر كبير في المنطقة، وأن عبادة البعل فقدت قدرًا كبيرًا من المصداقية؛ لذلك، كان عليه البحث على نطاق أوسع للحصول على المشورة. ولربما كان حريصًا على منع أخبار مرضه من الانتشار إلى رعاياه أو أعدائه، فأي مؤشر على المرض أو الضعف، كان من شأنه أن يقوض الثقة فيه، أو يشجع على التمرد عليه. ومما لا شك فيه أنه كان سيشعر أيضًا بالفخر أن يقترب من مثل هذا المركز البارز لعبادة البعل.

(٤) فشل في إدراك نعمة الله الفعالة:

قد يميل القارئ إلى النظر إلى الأصحاح باعتباره فصل دينونة. ولكن من المدهش أن نرى كم كان الرب كريمًا ومُنعمًا وصبورًا وطويل الأناة مع أَخَزْيَا. كان شره وتجاهله لكلمة الله يصرخان ويُطالبان الله أن يصب غضبه عليه، ولكن حتى في رسالة الهلاك التي سُلمت إليه، ظهرت نعمة الرب؛ لقد أعطاه الرب كل فرصة للتوبة. ومع ذلك، على عكس أبيه، لم يكن هناك بصيص أمل في أنه سيتواضع ولو مؤقتًا (قارن ١ملوك ٢١: ٢٧ - ٢٩). كان صحيحًا عنه كما هو الحال بالنسبة لأي إنسان أن «الرَّبُّ ... يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (٢بط ٣: ٩). لكنه رفض هذه النعمة ليواجه في نهاية المطاف «إِلهَنَا» الذي هو «نَارٌ آكِلَةٌ» (عب ١٢: ٢٩).

(٥) فشل في الإصغاء إلى كلمة الرب:

لا تزال كلمة الرب هي الموضوع الرئيسي في هذا السفر كما كانت في سفر الملوك الأول. لم يترك الرب ملوك إسرائيل الوثنيين أبدًا دون أن يُسمعهم صوته، من خلال فم أنبيائه الأمناء. وليس لأحد من هؤلاء الملوك أن يزعم الجهل بوصايا الرب، وبالتالي كانوا بلا عذر. ومرة أخرى، يظهر النبي الأمين ”إِيلِيَّا التِّشْبِيِّ“ على الساحة كناطق باسم الرب في أيام أَخَزْيَا: «فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لإِيلِيَّا التِّشْبِيِّ: قُمِ اصْعَدْ لِلِقَاءِ رُسُلِ مَلِكِ السَّامِرَةِ وَقُلْ لَهُمْ: أليس لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلهٌ، تَذْهَبُونَ لِتَسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلهَ عَقْرُونَ؟ فَلِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إِنَّ السَّرِيرَ الَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتًا تَمُوتُ» (ع ٣ - ٤).

من السهل جدًا انتقاد فقدان إِيلِيَّا للثقة بعد الانتصار على جبل الكرمل، وتجاربه اللاحقة على جبل حوريب (١مل ١٩)، ومع ذلك، فمن الواضح أن الرب لم يتخل عنه، واستمر في الثقة به لإيصال كلمته. نفس ملاك الرب الذي خدم احتياجاته في رحلته إلى حوريب (١مل ١٩: ٥، ٧)، ظهر له في هذه المناسبة. ونلاحظ أن مصطلح ”ملاك الرب“ لا يستخدم عادة في العهد القديم للدلالة على رسول أو نبي، ولكنه يدل على ظهور ملائكي للمسيح قبل التجسد (تك ١٦: ٧؛ خر ٣: ٢؛ قض ٢: ١؛ ٦: ١١؛ ١٣: ٣). لقد أخفى أَخَزْيَا أخبار حالته الصحية عن رعاياه، لكنه لم يستطع إخفاءها عن الرب. كان جاهلاً أيضًا بنتيجة مرضه، لكن الرب كان يعرفها. ومن الواضح أن إِيلِيَّا قد استعاد ثقته بالرب. وبدون تردد تلقى كلمة الرب، ونقلها إلى رُسُل أَخَزْيَا قبل أن يغادرهم (ع ٤).

كان الرُسُل أكثر حكمة من سَيِّدهم؛ لم يحاولوا مواصلة رحلتهم إلى عَقْرُون، لكنهم عادوا على الفور إلى أَخَزْيَا. وعندما استخبرهم عن عودتهم المبكرة، نقلوا رسالة إيليا بأمانة «فَقَالُوا لَهُ: صَعِدَ رَجُلٌ لِلِقَائِنَا وَقَالَ لَنَا: اذْهَبُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَلِكِ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ وَقُولُوا لَهُ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَليسَ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلهٌ أَرْسَلْتَ لِتَسْأَلَ بَعْلَ زَبُوبَ إِلهَ عَقْرُونَ؟ لِذلِكَ السَّرِيرُ الَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ، لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتًا تَمُوتُ» (ع ٥ - ٦). كان من الواضح أنهم أدركوا واعترفوا بسلطة النبي، ولم يكونوا خائفين من ذكر اسم الرب لملك مرتد، وهكذا لم يمتنعوا عن إعلان الحقيقة غير المرغوبة بأن الملك سيموت. وبقدر ما كانوا قلقين، كانت هذه هي الرسالة التي كان على أَخَزْيَا سماعها، ولم يحجبوا عنه أي شيء.

للأسف، فشل أَخَزْيَا في استيعاب الحقيقة، وحتمية التصرف تجاهها على وجه السرعة! وكما هو الحال مع الكثيرين الذين يرفضون كلمة الله، كان مهتمًا بالتنفيس عن غضبه على الرُسُل، أكثر من اهتمامه بإطاعة رسالته: «فَقَالَ لَهُمْ: مَا هِيَ هَيْئَةُ الرَّجُلِ الَّذِي صَعِدَ لِلِقَائِكُمْ وَكَلَّمَكُمْ بِهذَا الْكَلاَمِ؟» (ع ٧). وعلى الأرجح، كان يشك بالفعل في هوية الذي تحدث إليهم، لكن وصفهم له «إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ» (ع ٨)، أكد له أنه إِيلِيَّا. ربما كان تعبير «رَجُلٌ أَشْعَرُ» إشارة إلى ملابسه، وليس إلى مظهره الجسدي، مثل يوحنا المعمدان الذي «كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ» (مت ٣: ٤). إنها ملابس الفقراء. وكانت الملابس الخشنة ملائمة مع محاولة قيادة الشعب للتوبة.

بمجرد أن تأكد أَخَزْيَا من هوية الرجل الذي اعترض رُسُله «أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَئِيسَ خَمْسِينَ مَعَ الْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ»، لإحضاره. وتكرر هذا في ثلاث مناسبات (ع ٩، ١١، ١٣). وحقيقة إرسال أَخَزْيَا قادة في الجيش، مع جنودهم، تُشير إلى أن نواياه كانت بعيدة كل البعد عن إكرام إيليا، بل إنه بالحري كان مُصممًا على إلحاق الأذى به. ومثل أُمِّه إيزابل (١مل ١٩: ٢)، كان جوابه هو محاولة قتل الرسول، وظن بهذا أنه سيُسكت صوت الرب!

(٦) فشل في مراعاة غضب الله:

كان أَخَزْيَا قد سمع ورأى نتائج غضب الله خلال عهد أبيه، لكنه تعامل معها باحتقار، بقدر ما كان الأمر يتعلق به. وفي الواقع، لقد ضحى بحياة اثنين من ضباطه ومائة رجل في محاولاته للتعامل مع إِيلِيَّا، الذي لم يكن من الصعب تحديد مكانه، كما كان الأمر في أيام أخآب؛ فقد كان إِيلِيَّا «جَالِسًا عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ» (ع ٩)؛ أي أعلى بكثير من المكائد السياسية والدينية للأشرار في الأسفل. إن خدام الرب الحقيقيين يعرفون ما هي حقيقة علاقتهم بالعالم، وكيف يجب أن يكونوا منفصلين ومُترفعين عنه. ومثل إِيلِيَّا، يُفضلون أن يستنشقوا الجو الروحي للشركة مع السماء، بدلا من الجو الملوث لهذا العالم المنفصل عن الله.

من الواضح أن رئيس الخمسين الأول شارك في احتقار سَيِّده أَخَزْيَا لإِيلِيَّا النبي. وبازدراء، أشار إليه بأنه «رَجُلُ اللهِ»، وكلَّفه بطاعة كلمة الملك: «الْمَلِكُ يَقُولُ انْزِلْ» (ع ٩). وقَبِلَ إِيلِيَّا التحدي: «فَأَجَابَ إِيلِيَّا وَقَالَ لِرَئِيسَ الْخَمْسِينَ: إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اللهِ، فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَكَ» (ع ١٠). لم يدرك رئيس الخَمسِين خطر الاستخفاف بِرَجُل كان بحق «رَجُلُ اللهِ»، لكنه كان على وشك معرفة ذلك! وذهب رئيس الخمسين الثاني خطوة أبعد من ذلك بأمر إِيلِيَّا أن تكون الاستجابة فورية لطلب الملك: «وَقَالَ لَهُ: يَا رَجُلَ اللهِ، هكَذَا يَقُولُ الْمَلِكُ: أَسْرِعْ وَانْزِلْ» (ع ١١). وعلى الأرجح، كان يدرك جيدًا ما حدث لزميله، ومع ذلك فقد أصر على مهمته الحمقاء. كان رد النبي هو نفسه الذي كان عليه تجاه رئيس الخمسين الأول.

قد يميل بعض القراء إلى استنتاج أن رئيسي الخمسين لم يكن لديهما خيار آخر سوى إطاعة أمر الملك، وبالتالي يعتقدون أنه سيكون من الظلم تحميلهما المسؤولية عن أفعالهما. ولكن مثل هذه الحجة لا تتطابق مع تعليم كلمة الله. صحيح أن شعب الله من جميع الأجيال مدعو إلى أن «تَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ الله» (رو ١٣: ١). ومع ذلك، فعندما تجعلهم طاعة من هم في السلطة في صراع مع كلمة الله، يجب أن يكون ردهم مع بطرس وباقي الرُسُل: «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ» (أع ٥: ٢٩). رضخ رئيسا الخمسين ورجالهما لمُخطط سَيِّدهما أَخَزْيَا الشرير، وحمَّلهما الله بحق المسؤولية عن أفعالهما. إن وعد الرب صادق لجميع الأجيال: «حَاشَا لِي! فَإِنِّي أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي، وَالَّذِينَ يَحْتَقِرُونَنِي يَصْغُرُونَ» (١صم ٢: ٣٠).

لذلك اكتشف رئيسا الخَمسِين الأولان ورجالهما أنه على الرغم من أن الرب طويل الروح ومُنعِم ورحيم، إلا أنه أيضا قدوس وبار، ويدين أولئك الذين يرفضون كلمته. في كلتا الحالتين نزلت النار من السماء وأكلت الرِجَال (ع ١٠، ١٢). يسارع البعض باتهام إِيلِيَّا برد مُفرط في القسوة، وغير مناسب على الإطلاق. ولكن تجدر الإشارة إلى أن النار جاءت من السماء، وليس من إِيلِيَّا. ولو كان إِيلِيَّا مُخطئًا، لما وافق الرب على طلبه. يشير هؤلاء النقاد دعمًا لقضيتهم إلى أن المسيح وبخ الأخوين يعقوب ويوحنا عندما اقترحا عليه أن يسمح بنزول النار من السماء، كما فعل إيليا أيضًا، لتُفني سكان قرية سامرية رفضوا استقباله أثناء سفره نحو أورشليم (لو ٩: ٥١ - ٥٦). ويلفت النظر أنهم كانوا في منطقة مجاورة للتي خدم فيها إيليا. مما لا شك فيه أن هذا كان حاضرًا في أذهانهما، لأنهما كانا، مع بطرس «مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ» (٢بط ١: ١٦)، إذ رأوه قبل ذلك مباشرة على جبل التجلي (لو ٩: ٢٨ - ٣٠).

إن القراءة المتأنية لرواية الإنجيل توضح أن المسيح لم يُوبخ إِيلِيَّا لأنه طلب النار من السماء، بل وبخ تلميذيه فقط. رده عليهما هو المفتاح الذي يفتح الباب أمام الفهم الصحيح للمعضلة: «فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ، النَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى» (لو ٩: ٥٥، ٥٦). كانوا بصدد الدخول في تدبير جديد؛ تدبير النعمة، المُغاير لتدبير الناموس الذي عاش فيه إِيلِيَّا. لقد كان هدف مجيء الرب يسوع هو خلاص الناس بنعمته، ولذلك، فإن اقتراحهما - على الرغم من حسن النية وإظهار الغيرة الشديدة - كان غير مناسب. وهذا لا يعني بالطبع أن نعمته يمكن أن تُعامل بازدراء، لأن الذين يفعلون ذلك سيواجهون غضبه العادل في ختام هذا التدبير: «إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ، مَتَى جَاءَ لِيَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ وَيُتَعَجَّبَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ» (٢تس ١: ٧ - ٩).

وقد لوحظ بالفعل في شرح سفر الملوك الأول أن النار كانت سمة من سمات خدمة إِيلِيَّا النبوية. سقطت النار على جبل الكرمل أثناء المعركة مع أنبياء البعل: «سَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتِي فِي الْقَنَاةِ» (١مل ١٨: ٣٨). لقد كانت النار علامة على الدينونة، ودليلاً على مَنْ هو الإله الحقيقي. كما كانت النار أيضًا دليلاً على أن الله قد قَبِلَ الذبيحة. ومن أجل بني إسرائيل أيضًا، كانت هناك ذبيحة يُمكن أن تسقط عليها النار، لأنها تعني أنه يمكن إنقاذهم وقتل أنبياء البعل «فَلَمَّا رَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ ذلِكَ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا: الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ!» (١مل ١٨: ٣٩، ٤٠). ويمكن النظر إلى النار التي التهمت المحرقة على الكرمل باعتبارها صورة للجلجثة، على الرغم من أنه يجب أن نتذكر أنه على الصليب قضت ذبيحة المسيح على نار دينونة الله ضد الخطية. وللأسف، فبالنسبة لرئيسي الخَمسِين على هذا الجبل غير المُسمى، لم تكن هناك ذبيحة موجودة، وبالتالي وقع القضاء عليهما. كتب ”سميث“: ”هذا في الواقع نذير باهت بالهلاك الذي ينتظر هذا العالم المذنب ... فإذا لم يتعلَّم البشر، من خلال الدينونة التي وقعت على المسيح عندما قدَّم الذبيحة العظيمة من أجل الخطية، أن الله هو إله نعمة يُمكنه أن يغفر، فعليهم أن يتعلَّموا - من خلال الدينونة التي تقع عليهم - أن الله نارٌ آكلة تنتقم من جميع الذين يحتقرون ابنه“.

(٧) فشل في الإمساك بفرصة رد النفس الكريمة المتاحة:

كان ينبغي أن تكون النتائج الكارثية لرئيسي الخَمسِين الأولين ورجالهما، قد تحدثت إلى أَخَزْيَا، ومع ذلك، تجاهل التحذيرات «ثُمَّ عَادَ فَأَرْسَلَ رَئِيسَ خَمْسِينَ ثَالِثًا وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ» (ع ١٣). ولكن رئيس الخمسين الثالث كانت معه روحٌ أخرى عن روح سابقيه. ومن الواضح أن ما حدث لهما كان له تأثير كبير عليه، ولم يكن مستعدًا لاتباع أوامر الملك بدون تحفظ. كانت لغته إلى إِيلِيَّا موَّقرة وتصالحية واسترضائية: «فَصَعِدَ رَئِيسُ الْخَمْسِينَ الثَّالِثُّ وَجَاءَ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أمَامَ إِيلِيَّا، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا رَجُلَ اللهِ، لِتُكْرَمْ نَفْسِي وَأَنْفُسُ عَبِيدِكَ هؤُلاَءِ الْخَمْسِينَ فِي عَيْنَيْكَ. هُوَذَا قَدْ نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْ رَئِيسَيِ الْخَمْسِينَيْنِ الأَوَّلَيْنِ وَخَمْسِينَيْهِمَا، وَالآنَ فَلْتُكْرَمْ نَفْسِي فِي عَيْنَيْكَ» (ع ١٣، ١٤)، أو «فَأَقْبَلَ هَذَا إِلَى إِيلِيَّا وَجَثَا أَمَامَهُ وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ قَائِلاً: يَا رَجُلَ اللهِ، لِتَكُنْ نَفْسِي وَنُفُوسُ عَبِيدِكَ هَؤُلاَءِ عَزِيزَةً فِي عَيْنَيْكَ. لَقَدْ نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ الْتَهَمَتِ الْقَائِدَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَعَ رِجَالِهِمَا الْمِئَةِ، فَأَرْجُوكَ لِتَكُنْ نَفْسِي عَزِيزَةً فِي عَيْنَيْكَ وَلاَ تَقْضِ عَلَيْنَا» (ع ١٣، ١٤ – ترجمة الحياة). كان لديه احترام حقيقي لإيليا كرجل من رجال الله، وكان يُقدِّر الحياة البشرية، في حين أن أَخَزْيَا تعامل مع كليهما باستخفاف.

كان إِيلِيَّا، بالطبع، شهادة حيَّة لإله مستعد وراغب في استرجاع شعبه عندما يضلون. كان قد هرب لحياته من إيزابل «قَامَ وَمَضَى لأَجْلِ نَفْسِهِ» (١مل ١٩: ٣)، لكن ملاك الرب ظهر له بلطف مرة أخرى وقال: «اذْهَبْ رَاجِعًا (بلا خوف)» (ع ١٥). وبلا خوف، نزل إلى أَخَزْيَا، وسلَّمه نفس الرسالة التي أرسلها إليه عبر رُسُله. ومرة أخرى، كان الأمر لا لبس فيه: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ أَرْسَلْتَ رُسُلاً لِتَسْأَلَ بَعْلَ زَبُوبَ إِلهَ عَقْرُونَ، أَلَيْسَ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلهٌ لِتَسْأَلَ عَنْ كَلاَمِهِ! لِذلِكَ السَّرِيرُ الَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ، بَلْ مَوْتًا تَمُوتُ» (ع ١٦). وقف رئيس الخمسين الثالث هناك كعلامة على أن هناك طريقًا للخلاص والنجاة من الدينونة على أساس التواضع والتوبة. ومع ذلك، رفض أَخَزْيَا بكبرياء وعناد أن يأخذها: «فَمَاتَ حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِيلِيَّا» (ع ١٧). وكما هو الحال مع أمه وأبيه، كان عصيانه لكلمة الرب هو السمة الغالبة في حكمه، والآن تعين له الطرح في «قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَدِ» (يه ١٣)!

توفر التعليقات الختامية للمؤرخ الإلهي نهاية مناسبة لإخفاقات أَخَزْيَا. لم يكن لديه ابن، لذلك خلفه على العرش أخاه يَهُورَام، الذي حمل نفس اسم ”يَهُورَامَ بْنِ يَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا“ (ع ١٧). ولا يهمنا الآن التأمل في تزامن تواريخ مختلف ملوك إسرائيل ويهوذا، ولكن المُلك المشترك بين يَهُوشَافَاطَ مع ابنه يَهُورَامَ يُفسر بشكل أفضل التناقض الواضح بين ع ١٧ مع الآية الافتتاحية من الأصحاح الثالث؛ «فَمَاتَ (أَخَزْيَا) حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِيلِيَّا. وَمَلَكَ يَهُورَامُ عِوَضًا عَنْهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِيَهُورَامَ بْنِ يَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ» (٢مل ١: ١٧). «وَمَلَكَ يَهُورَامُ بْنُ أَخْآبَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ، فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةَ عَشَرَةَ لِيَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا» (٢مل ٣: ١). لم يعتبر أي شيء آخر جديرًا بالملاحظة عندما اختتم الوحي روايته عن عهد أَخَزْيَا: «وَبَقِيَّةُ أُمُورِ أَخَزْيَا الَّتِي عَمِلَ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ؟» (ع ١٨).


س. ت. ليسي