أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد ديسمبر السنة 2006
رائحه اللبان
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة
كما يتصاعد رائحة البخور العطر من اللبان عندما تشتعل فيه النيران، هكذا كان سيدنا المعبود في حياته على الأرض، كلما اشتعلت فيه نيران التجارب، كلما ظهرت أمجاده المتنوعة. وسنتأمل الآن في بعض المواقف من حياة الرب فيها تألم من أشخاص تعامل معهم، ومن مدن خدم فيها، وما أروع ردود أفعاله في كل المواقف! 1. موقف إنكار بطرس للرب (لو22: 54-62): بطرس من التلاميذ المقربين للرب، وكان مقدام التلاميذ في الكلام وفي الشجاعة. ولقد وثق بطرس في محبته للرب، وكان صادقًا في التعبير عن حبه للرب يوم قال: «إن شك فيك الجميع فأنا لا أشك»، لكن هذا البطل أُخذ في زلة يوم أن دخل مجال التجربة، وإذ به في وسط الجواري والعبيد - ليلة محاكمة الرب - يشُك هو دون الجميع، لدرجة أنه ابتدأ يحلف ويلعن ”أنا لا أعرف ذلك الرجل“. ورغم أن الرب تألم من إنكار بطرس، ربما أكثر من كل الآلام المتوقعة من الأشرار والقساة في تلك الليلة، فكان إنكار بطرس جرحًا من الجروح التي جُرح بها الرب في بيت أحبائه. ورغم سماعه لكل كلمة قالها بطرس، إلا أنه أراد ألا يكون بطرس في موقف ضعف جديد باكتشاف كذبه أمام الحاضرين، لأن الرب لو تكلم مع بطرس لظهر أمام الجميع كذبه وحلفه كذبًا، لكن اكتفى الرب بنظرة إلى تلميذه، ولم تكن نظرة عتاب، لكنها كانت نظرة محبة وشفقة لدرجة أنها أذابت قلب بطرس، فخرج إلى خارج وبكي بكاء مرًا. 2. موقف خيانة يهوذا (مت26: 47-50): لا شك أن موقف خيانة يهوذا من أصعب المواقف على الرب، لدرجة أنه اضطرب بالروح يوم أعلن لتلاميذه أن واحدًا منهم سيسلمه. وعندما سؤل: مَنْ هو يا سيد الذي سيسلمك؟ رد الرب «الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيها له هو الذي سيسلمني» (يو 13: 26)، ويُقَال إن هذه اللقمة من عشاء الفصح كانت أفضل وأشهى لقمة، لدرجة أن رئيس المتكأ كان يعطيها للحبيب أو للعزيز. العجيب أن الرب أعطى هذه اللقمة ليهوذا. وخرج يهوذا وكان ليلاً، ولم يتأثر بتعبير الرب عن محبته له، وذهب ليحضر الكهنة والعسكر ليسلمه لهم، وكانت العلامة هي قبلة يهوذا للرب «الذي أقبله هو هو أمسكوه».. القبلة التي هي تعبير عن المحبة استخدمها يهوذا كتعبير عن الخيانة. ومع علم الرب - باعتباره كلي العلم - ما وراء هذه القبلة، إلا أننا نفاجأ بقول الرب له: «يا صاحب لماذا جئت؟» لم يقل له: يا خائن لماذا جئت؟ مع أنه يستحق ذلك القول، لكن هذه هي محبة السيد التي تحتمل كل شيء. 3. الناصرة التي طردته: في لوقا ص4: 16-30 يقول الكتاب إنه جاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى، فمع أن الناصرة كانت محتقرة (مت2: 23)، لكن الرب تبارك اسمه قبل أن يعيش فيها أغلب سني حياته على الأرض، وبعد أن ابتدأ الرب خدمته كان للناصرة نصيب في خدمته التجوالية كباقي المدن. وذات يوم دخل المجمع وتكلم بأروع الكلمات وعندما وضح لهم أن الأمم لهم نصيب في الخلاص، وسيصل إليهم مثلما وصل الخلاص لأرملة صيدا، وأنهم سيسيرون لاقتفاء الخلاص مثلما سار إليه نعمان السرياني، عندما قال الرب لهم هذا أخذوه على الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه لأسفل. وما كان أروع رد فعل الرب عليهم! فمع أنه تألم من رفضهم له، لكنه لم يهدد بل اجتاز من وسطهم ومضى هكذا. 4. السامرة التي رفضت قبوله (لو9: 51-56): رغم أن للرب مواقف مباركة مع هذه المدينة، ورغم نظرة اليهود المتدنية للسامريين، قبل الرب أن يسير مسافة طويلة على قدميه لكي يتقابل مع المرأة السامرية التي رأى من خلالها أنها مفتاح للمدينة وعن طريق كرازتها لهم، طلبوا من الرب أن يمكث عندهم، فمكث عندهم يومين، والنتيجة أن كثيرين آمنوا به. لكننا نتعجب عندما نقرأ أنهم قبل ذهاب الرب لأورشليم قبيل الصليب مباشرة لم يقبلوه ( لو 9: 53). ولقد أثار هذا الأمر حفيظة التلاميذ، حتى أن تلميذين منهم وهما يعقوب ويوحنا ابنا زبدي أرادا أن يسمح الرب لهما في أن يطلبا أن تنزل نار من السماء وتفنيهم كنوع من التشفي منهم، ولكي يقبل الرب هذا الاقتراح منهما استندا كتابيًا على أن إيليا فعل هذا في موقف مماثل. لكن ما أروع رد سيدنا المعبود عندما انتهرهما موضحًا أن روح التشفي والإهلاك ليست له؛ لأنه أتى لا ليهلك أنفس الناس بل ليخلص. 5. أورشليم التي خططت لقتله: أورشليم هي مدينة الملك العظيم، وكم من المرات أرسل إليها الرب أنبياء ومرسلين، لكنها إمعانًا في رفض صوت الرب لها قتلت الأنبياء ورجمت المرسلين واختتمت جرائمها بالتخطيط لقتل الرب نفسه. لكننا نتعجب من محبة الرب لها إذ يذكر الكتاب أنه فيما هو يقترب من المدينة نظر إليها وبكى (لو 19: 41)، وكلمة بكى تأتى بمعنى أجهش بالبكاء، بكى حزنًا عليها وعلى مستقبلها لا على ما سيصدر منها تجاهه، بكى عليها وهو خارجها في الوقت الذي كان رؤساؤها في داخلها يخططون لقتله. والرب باعتباره كلي العلم كان يعلم ما يجري ضده من مواقف ومؤامرات بما فيها هذا الموقف وهذا كان يزيد من ألم الرب، وهو في هذا يختلف عنا كثيرًا حيث أننا نتألم من المواقف التي تظهر أمامنا فقط، أما تلك التي لا نعلم عنها شيئًا، وهي ضدنا لا نتألم منها، لكن الرب - تبارك اسمه - كان يتألم لأنه عالم حتى بالأفكار والدوافع مما يجري ضده. هل لو تعرضنا لآلام تصدر منا رائحة دخان أم رائحة اللبان العطرة، كما نجدها في سيدنا المعبود، حيث في كل مواقف آلامه كانت تظهر أمجاده المتنوعة.
أنور داود