أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد أكتوبر السنة 2005
إله المساكين - الله في سفر أستير
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

ذكرت فيما سبق أن كلمات مردخاي في أستير4: 13 اشتملت على ثلاثة أفكار هي عبارة عن نصيحة هامة بخصوص خطورة الحوار الذاتي، ثم حقيقة أكيدة بخصوص هشاشية بيوت الملوك، وهنا نأتي إلى الفكرة الثالثة وهي البشارة المفرحة

                   البشارة المفرحة: توجد للمساكين نجاة!!


هل توجد للمساكين نجاة؟


هل توجد للمساكين نجاة بينما الحاكم هو هامان؟


وهل توجد للمساكين نجاة في هذا الزمان الذي نعيشه نحن الآن؟


هل للمسكين إذا ظُلِم أو قُهِر أو اغتُصِبَتْ حقوقه أن يأمل في النجاة أو حتى يحلم بالإنصاف؟ هل هناك من سيسمعه إذا استغاث؟ وأين هو هذا الذي عنده وقت لينصت لصراخ المساكين؟


وإن كان المسكين الذي نجى مدينة بحكمته لم يذكره أحد!!! (جا9: 5)، فمن سيذكر مسكينًا محتاجًا للنجاة؟

 
وإن كانت حكمة المسكين محتقرة، وكلامه لا يُسمع، كما قال سليمان في جامعة9: 16، فمَنْ ذا الذي سيستمع لصرخاته واستغاثاته؟  


ولقد لاحظت كثيرًا أن منصف الأغنياء والأقوياء في هذا العالم هو في نظر المجتمع بطل عظيم ينبغي تكريمه! بينما من يفكر في إنصاف المساكين هو في نظرهم شخص متهور ينبغي نصحه! وربما يرونه متمردًا ينبغي محاكمته! وفي أحسن الأحوال هو شخص شاذ يضيع وقته في ما لا ينفع! فمَنْ إذًا يقبل أن يضحي لينصف المسكين؟


آه من البشر! كم شوهت الخطية عقولهم وقلوبهم وضمائرهم حتى صار المسكين بينهم مسحوقًا!


وعليه نعود لنسأل: هل توجد للمساكين نجاة من ظلم واغتصاب الأشرار؟


إن الإجابة التي تحملها كلمات مردخاي لأستير تجيبنا عن سؤالنا هذا بالقول: نعم، توجد للمساكين نجاة، حتى في زمن هامان!! .


لاحظ مرة أخرى هذه العبارة:


«لا تفتكري في نفسك أنك تنجين في بيت الملك دون جميع اليهود،


لأنك إن سكت سكوتا في هذا الوقت يكون الفرج والنجاة لليهود من مكان آخر»!!


لاحظ قوة المعنى هنا. فكأن مردخاي يريد أن يقول لأستير: ”إن اليهود يا أستير ليس لهم بيت الملك نظيرك، لكن لهم إله النجاة.  نعم هم مساكين مسحوقون وليسوا ملوكًا متوجين مثلك، لكن اعلمي أنه توجد للمساكين نجاة، بل يوجد للمساكين إله، هو بحق ”إله المساكين“، سيأتي لهم بالفرج والنجاة من حيث لا تعلمين“!


وعند هذا التعبير أتوقف لأقول: هل من الممكن فعلاً أن ندعو الله ”إله المساكين“؟


أعتقد أن من يقرأ الكتاب بصفة عامة، وسفر المزامير بصفة خاصة، يمكنه أن يجيب بالقول: نعم بكل تأكيد إن الله هو إله المساكين. وسأختار لك النذر اليسير، من إعلان الله الغزير، يوضح لك علاقة الله بالمساكين وموقفه منهم حتى تتأكد أنني على حق عندما أدعو الله ”إله المساكين“. لكن قبل أن أفعل ذلك أود أن أتوقف قليلاً لنعرف من هو المسكين بصفة عامة، ومن هو المسكين الذي يكون الله إلهه، وبالتالي يأتي له بالنجاة.


مَنْ هو المسكين؟


لاحظت في هذه الحياة أن مصادر الغنى والقوة عند الناس ثلاثة:
 المال، والسلطان، والجمال.
 فوجود واحد من هذه الثلاثة أو أكثر يخرج صاحبه من دائرة المسكنة في نظرهم، أما إذا توفرت الثلاثة فهذه تكون قمة الغنى عندهم! لكن إذا لم يتوفر ولا واحد من هذه الثلاثة عند أحدهم، اعتبره الناس مسكينًا!! فلا اعتبار لكيانه، ولا احترام لحقوقه، وإن ظلم أو اغتصب حقه فلا مجيب لصراخه! فيصبح المسكين مسكينًا مضاعفًا! 


لكن إذا نظرنا للأمر في نور كلمة الله سنكتشف بعدًا آخر لا يراه المجتمع ولا يفهم فيه، ألا وهو البعد الروحي لهذا المسكين. فقد يكون هناك شخص مُعدم، إذ أنه من جهة النواحي الثلاث التي أشرت إليها لا يمتلك شيئًا البتة، لكنه للأسف متشامخ الروح، متكبر القلب، يعتد بذاته ولا يعرف إلهه ليتكل عليه، بل يتكل على نفسه، يبحث عن أمجاد زائفة وهمية يتعلق بها، وإن كان واقعيًا ويرفض الأوهام فهو مملوء بالحقد والحسد لكل من امتلك شيئًا كان يتمنى هو أن يمتلكه. هذا الشخص، وعلى الرغم من فقره المادي، لا يُعتبر مسكينًا أبدًا في نظر الله، وليس له نصيب في إله المساكين الذي نتحدث عنه.


وعلى الجانب الآخر قد يكون هناك شخص توفرت لديه تلك العناصر الثلاثة التي تجعل الإنسان غنيًا في نظر المجتمع، إلا أنه هو يشعر في أعماقه بأنه لا شيء بالمرة! ذلك لأنه يرى نفسه في نور قداسة الله، فيرى أنه لا يستحق شيئًا بسبب خطاياه وخطيته، يرى نفسه مفلسًا أدبيًا إذ لا يمتلك برًا به يقدر على الظهور أمام الله، بل حتى ممتلكاته المادية ومواهبه الشخصية يراها منحًا وهبات من الله وهو مجرد وكيل عليها!! وعليه فإنك تجده متواضع الروح، منكسر القلب، لايتفاخر ولا ينتفخ، يفرح بصدق لأي شخص أعطاه الله شيئًا هو لا يمتلكه، لا يتكل على ذاته إذ يعرف فسادها وعجزها، ولذلك فهو دائم الاتكال على إلهه، إذ يعرف حكمته وصلاحه! هذا في نظر الله هو المسكين الحقيقي، المسكين بالروح، والذي له نصيب عظيم في إله المساكين، إله النجاة!  


والآن يمكننا أن نذهب لكلمة الله لنعرف شيئًا عن روعة هذا الإله ”إله المساكين“ تجاه الذين هم مساكين بالحق:


1. إله اهتمامه الأول وشغله الشاغل هو المساكين:

 لاحظت أمرًا رائعًا ملأني بالفرح والتشجيع ألا وهو أن أول عبارة في أول عظة سجلها متى عن المسيح كانت تخص المساكين: «طوبى للمساكين بالروح» (مت5: 3). وكذلك أول عبارة في أول عظة سجلها لوقا عن المسيح كانت أيضًا تخص المساكين عندما قال: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين» (لو4: 18). هذا على الرغم من تباين الغرض عند كل من البشيرين، لكن كأن الروح القدس يريد أن يقول لنا إن المسيح إذا تكلم من على الجبل كالملك العظيم فاهتمامه الأول هو إسعاد المساكين! وإذا تكلم من مجمع الناصرة كالطبيب العظيم فاهتمامه الأول هو شفاء المساكين! إنهم في كل الأحوال اهتمامه الأول والأخير! بل إنه في المرة الوحيدة التي كشف لنا فيها بالتفصيل عن حالة الأرواح بعد الموت كان أيضًا مشغولاً بالمساكين، فكلمنا عن لعازر المسكين، وأعلن لنا إعلانًا ما كان يخطر على بال إنسان عندما قال: «فمات المسكين، وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم» (لو16: 22). وفي نبوة إشعياء يكشف الرب عن قلبه من نحو المساكين فيقول: «البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا الرب أستجيب لهم. أنا إله إسرائيل لا أتركهم!» (إش41: 17). هذا القلب الكبير من نحوهم، وهذا التصميم على عدم التخلي عنهم، هو ما جعل داود يستغيث به في يوم ذله قائلا له: «أمل يا رب أذنك. استجب لي، لأني مسكين وبائس أنا» (مز86: 1). إنه يطلب من الله بإلحاح الاستجابة، وحجته القوية في طلبها، بل وحيثيته الوحيدة هي أنه مسكين وبائس! وكأنه يقول لله: أنا في صلب تخصصك، فأنا مسكين، وأنت إله المساكين، لذا فلن أتركك حتى تستجب لي.


2. إله هو معين المساكين والمحامي عنهم: يقول عنه سليمان: «لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له» (مز72: 12). وقد لاحظ داود أن أيتامًا كثيرين صاروا عظماء! ومساكين مسحوقين صاروا أشداء! وعندما بحث وجد أن السبب الوحيد لهذا هو معونات الله لهم، فسبحه قائلاً: «إليك يسلم المسكين أمره، أنت صرت معين اليتيم... تأوه الودعاء قد سمعت يا رب. تثبت قلوبهم، تميل أذنك لحق اليتيم والمنسحق» (مز10: 14-17).  وكأنه يقول لله: علمتني الحياة أنك كنت دائمًا وما زلت معين اليتيم، لذلك أطرح عليك أمري وأسلم كل التسليم. وهنا نرى إحدى البركات العظيمة للمسكنة، إنها تعلم المؤمن التسليم والاتكال على الله! وقد تعلمت شخصيًا بالاختبار أننا لا نعرف معنى التسليم إلا بعد أن نفقد كل شيء، وتوصد في وجوهنا كل الأبواب. أي إننا لا نقدر على التسليم إلا بعد أن نصبح مساكين، بل عندما نصير في وضع الطفل اليتيم!!  وفي مزمور109 حين يتكلم داود معبرًا بروح النبوة عن آلام المسيح، نجده يؤكد أن الرب هو المحامي عن المسكين أمام القاضين على نفسه. فنراه يصرخ في مطلع المزمور قائلاً: «يا إله تسبيحي لا تسكت، لأنه قد انفتح عليَّ فم الشرير وفم الغش». ثم يمضي شاكيًا من ظلم الشرير فيقول: «من أجل أنه لم يذكر أن يصنع رحمة، بل طرد إنسانًا مسكينًا وفقيرًا والمنسحق القلب ليميته!». ثم يقول للرب: «نجني، فإني فقير ومسكين أنا وقلبي مجروح في داخلي»، إلا أنه يختم المزمور مسبحًا قائلاً: «أحمد الرب جدًا بفمي، وفي وسط كثيرين أسبحه، لأنه يقوم عن يمين المسكين ليخلصه من القاضين على نفسه».


بالإضافة لهذا نراه في كل الكتاب يعطي أعظم المواعيد لمن يرحم المسكين، ويتوعد بأغلظ الوعيد لمن يقسو عليهم ويحتقرهم أو يسلب حقوقهم.  ففي الناموس يقول: «افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك» (تث11: 15). وفي المزامير نسمعه يقول: «اقضوا للذليل واليتيم. انصفوا المسكين والبائس» (مز82: 3)؛ ويقول أيضًا: «نجوا المسكين والفقير من يد الأشرار انقذوا» (مز82: 4).  بل إنه يطوب من ينظر إليه ويعده بوعد رائع إذ يقول: «طوبى لمن ينظر إلى المسكين، في يوم الشر ينجيه الرب»
(مز41: 1). بل أكثر من هذا نراه في سفر الأمثال يعتبر أن من يظلم الفقير ويتعدى على حقوقه هو مُتعدٍّ على حقوق الله نفسه فيقول: «ظالم الفقير يعيِّر خالقه» (أم14: 31)، وعلى العكس يعتبر أن إكرام المسكين هو إكرام للرب، فيقول إن راحم المسكين يمجده، وعلى قدر ما يكافئ الرب من يستمع للمسكين وينجيه، فهو يتوعد مَنْ يسد أذنيه عن صراخه بالقول: «مَنْ يسد أذنيه عن صراخ المسكين، هو أيضًا يصرخ ولا يستجاب له»
(أم 21: 13).


3.  إله لا يصغر المسكين أبدًا في عينيه: إن أكثر ما يحطم نفس المسكين هو احتقار الآخرين له لكونه مسكينًا، لكن عندما نتأمل هذا الإله العظيم نجده إنه يحب المساكين، ليس حب العطف الأبوي فقط، ويشفق عليهم ليس من قبيل الإحسان لمحتاج فقط، لكنه يقدر إنسانيتهم العاقلة، ويحترم كينونتهم الروحية. إن فقرهم المادي لا يرخص ثمنهم في عينيه، وانعدام جمالهم الجسدي لا يقلل إعجابه بهم ولهفته على الشركة معهم، وذلهم الاجتماعي لا يقلل من هيبة أرواحهم قدامه!! إنهم لا يصغرون أبدًا في عينيه، بل هو دائما يحبهم ويقدرهم، وهم بدورهم يحبونه ويقدرونه. يقول عنه داود بروح النبوة، مشيرًا إلى المسيح: «لانه لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين ولم يحجب وجهه عنه بل عند صراخه إليه استمع» (مز22: 24). وفي مزمور 12: 5 نسمعه يقول بفم داود: «من اغتصاب المساكين، من صرخة البائسين، الآن أقوم يقول الرب. أجعل في وسع الذي ينفث فيه» أي أن: اغتصابهم يقيمه، وصرختهم تنهضه ليخلصهم، إنه يتعاطف بكل قوته لحسابهم. بل من أعجب الأمور أنه عندما يتكلم عن نفسه ويكشف شيئًا عن أمجاده نسمعه يقول بلسان إشعياء: «السماوات كرسي، والأرض موطئ قدمي.. وكل هذه صنعتها يدي» لكن العجيب أنه يضيف قائلاً: «وإلى هذا أنظر، إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي» (إش65). أي أنه يربط بين مجده ككلي الوجود، ومجده كالخالق واجب الوجود، بمجده كإله المساكين!!


وعلى الجانب الآخر نجد أن هذه العواطف من جانبه تفجر في المساكين كل ينابيع الحب له، وبالتالي يفيض من قلوبهم كل السجود له. اسمع مثلاً ما يقوله مسكين قد تمتع بمحبة إله المساكين واختبر نجاته، وتأمل عمق تأثره وبلاغة تعبيره عندما يقول: «جميع عظامي تقول يا رب من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه، والفقير والبائس من سالبه!» (مز35: 10). واسمع آخر يقول واثقًا ومسبحًا: «لا يرجعن المنسحق خازيًا. الفقير والبائس ليسبحا اسمك» (مز74: 21).

(يُتبَع)

ماهر صموئيل