أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد سبتمبر السنة 2013
نوح بانى الفلك لله وللبشرية
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة
إن معنى اسم نوح “راحة” أو “تعزية”.  هكذا سماه أبوه “لامك” آملاً في أن «هَذَا يُعَزِّينَا عَنْ عَمَلِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ الَّتِي لَعَنَهَا الرَّبُّ» (تك5: 29).  لم يذكر “لامك” نوع التعزية أو الراحة التي كان يرجوها، لكن يبدو أن النبرة تتعدى الإجهاد من العمل البدني في أرض ملعونة، وتُوحي بأن الأمور في مجملها لم تكن تسير على ما يرام، وأن الخالق لا بد أن يتدخل سريعًا.  تُرى هل كان هذا بسبب تأثير بشارة ونبوة أخنوخ - جد لامك - الذى سبق ميلاد نوح بجيل أو بأكثر (69-369 سنة)؟

يخبرنا يهوذا 14-15 أنه «تَنَبَّأَ عَنْ هَؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُِ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ».  فكانت نبرة أخنوخ الواضحة هي فجور الناس، وهو طابع حياة لا مكان لله فيه.

لقد بشَّر أخنوخ نتيجة إيحاء وتأثير حياة قُضيت بأكملها في السير مع الله (تك5: 22).  وهل يا ترى اقتفى كل مِن ابنه متوشالح وحفيده لامك أثر خطواته، أم تأثرا بالأكثر بالمجتمع المتدهور حولهما؟ فليس قبل نُوح مَن نقرأ عنه أنه «سَارَ مَعَ اللهِ» (تك6: 9).

فساد أدبي

لقد دخل نوح التاريخ كسليل صنف ممتاز ينمو وسط اختلاط دنس بين “أَبْنَاءَ اللهِ” و“بَنَاتِ النَّاسِ” الحسنات (تك6: 1-2)، الأمر الذي عجَّل بعملية الفساد الأدبي إلى الدرجة التي فيها «رَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ» (تك6: 5). 

إن تفاقم انحطاط الإنسان الأدبي، وكذلك علاقته المتدهورة بالله، موصوفان في رومية 1: 21-32، بعد تسعة أجيال فقط، وفي مدة أقل قليلاً من 1000 عام من تاريخ البشرية.  ولقد صدق تعليق داود عن حالة الجنس البشري الأدبية والروحية (مز14: 2-3؛ 53: 2-3)،  وما انطبق على ذلك الوقت، يصح الآن أيضًا، كما يصدق - سواء بأكثر أو بأقل تقدير - في كل وقت من التاريخ «اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟  الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا.  لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ».

هناك استثناء عددي ضئيل لهذه العبارة الشاملة وهو حالة نوح؛ «وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ» (تك6: 8).  
فأي إنعاش هذا الذي أتى به نوح إلى قلب الله الذي «مِنَ السَّمَاوَاتِ نَظَرَ ... رَأَى جَمِيعَ بَنِي الْبَشَرِ.  مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ تَطَلَّعَ إِلَى جَمِيعِ سُكَّانِ الأَرْضِ.  الْمُصَوِّرُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا، الْمُنْتَبِهُ إِلَى كُلِّ أَعْمَالِهِمْ» (مز33: 13-15).  لا بد أن حياة نوح في مثل هذا المجتمع كانت ستعاني من الوحدة القاتلة بالقياس البشري، لكنه سار مع إله يتوق إلى صحبة خلائقه، فتلاقى كل من نوح والله.  ويا لها من شركة غنية تلك التي كانت بينهما! فماذا عن شركتك اليومية الحميمة مع ذات الإله؟ وماذا عن شركتي أنا معه؟

علاقة الإيمان

وبتتالي أحداث القصة يُعاد تذكيرنا بكم كانت الحالة رديئة «وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا» (تك6: 11).  لم تعد الحالة محتملة، وكان على الله أن يتدخل.  إن علاقة الإيمان بالله تتطلب أن الإنسان «يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ» (عب11: 6).  في زمانه لم يكن مؤهلاً لذلك سوى نوح، ولذلك عندما حدَّثه الله يومًا عن بناء فلك ينجو به هو وعائلته من الدمار، أطاع.  وإن ما دوِّن عنه مثير وقوي «بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكاً لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ» (عب11: 7).

إن الإيمان يربط الفرد المؤمن بالله، حتى وإن كان يعيش في مجتمع فاسد حتى النخاع، ولا يريد الله.  وبالحياة بصحبة الله، كان نوح يعلم تمامًا الحالة الأخلاقية الفاسدة التي كانت حوله، وما كان ليُفاجأ لاضطرار الله لأن يصب عليهم قضاءً لم يُرَ مثله من قبل.  وبخوف مقدس اهتم نوح بتحذير الله، وبطاعة بنى الفلك.  أما باقي جيله فلم يُعير لتلك التحذيرات اهتمامًا.  ويبدو أن الحملة التبشيرية من أيام جد نوح الأكبر التي استغرقت 300 سنة كانت بلا تأثير من جهة تحويل جيل فاسد إلى التوبة.

لقد كان الفلك تحت الإنشاء في ساحة بيت نوح لمدة نحو قرن من الزمان.  وبلا شك أن هذا كان واضحًا جدًا.  هل كان هذا من معالم الجذب السياحي سواء المحلي أو العالمي؟ هل أجاب نوح على أسئلة الصحفيين، أو قاد رحلات إلى الموقع شارحًا مهمته ومُحذِّرًا الناس؟ ربما خصَّص وقتًا سواء يوميًا أو أسبوعيًا لكي يُعلن فيه عن دينونة الله الآتية، ومُقدّمًا الفلك كأمل البشرية الوحيد في النجاة.  لقد كان «كَارِزًا لِلْبِرِّ» (2بط2: 5)، لكنه كان للناس كمَن أتى مِن عالم ديزني الخيالي.  وكلما اتخذ نوح موضوع إيمانه بجدية، كلما احتمل المزيد من السخرية.  والأمور لم تتغير كثيرًا اليوم.  أَليس كذلك؟

إننا لا نعلم أي شيء عن إيمان عائلة نوح الشخصي.  هل ساعده أبناؤه في بناء الفلك؟ هل خجلوا من نظرات وتعليقات وغمزات الجيران والأصدقاء والناظرين، وحملقة السياح؟ نحن لا نعلم لكننا نعلم أن إيمان نوح كان قويًا، وخلَّص عائلته.  نحن لا نؤمن أنه يمكن لأحد أن يخلص بإيمان شخص آخر بالمفهوم الروحي، لكن الإيمان هو التزام خاص وشخصي وفردي تجاه الإله الذي يُظهر ذاته للمهتمين، ولكن من المؤكد أنه لإيمان الأهل أو الأجداد تأثير قوى كما في حالة تيموثاوس (2تى1: 5).  فبالرغم من عدم إمكانية توريث الإيمان، لكنه يمكن أن يُعلَّم، ويسري في العائلات مِن جيل إلى جيل.  لقد كان نوح قدوة حسنة، وذا تأثير فعال في عائلته.

بلا شك كان إيمان نوح العامل منعشًا جدًا لقلب الله، حتى إنه كافأه بضم عائلته إلى الخلاص، الأمر الذي حاول فعله مع لوط أيضًا (تك19: 12-22).  وكذلك في حالة بولس أكرم الله أمانته بأن خلَّص كل المسافرين معه على السفينة المحطمة (أع27: 24).  إننا نتعامل مع إله يُسرَ بالخلاص، ويُكرّم إيمان الفرد، بأن يُبارك آخرين مِن خلاله.  كما أنه - تبارك اسمه - لا يقضى على الخاطئ إلا بعد أن يرفض كل فرص الخلاص.

مشروع بناء الفلك

لا بد أن مشروع نوح (وهو في الواقع مشروع الله) بدا سخيفًا، لأنه واضح أنه لم يكن هناك تجمع مائي كبير مجاور.  هل سبق وأمطرت على الأرض (تك2: 5)؟ هل سبق ورأى أحد فلكًا من قبل؟ لا بد أن قصة نوح عن طوفان آتٍ ليغمر الأرض كانت خياليه بالنسبة لمعاصريه، كما يبدو أن فكرة دينونة الله كانت أيضًا غير مفهومة.  لقد كان نوح متحمسًا للإعداد لشيء لم يَرَهُ من قبل (عب11: 7)، لكنه وثق بالله الذي عرفه في مسيرة كل يوم.  فإلى جانب تعامله مع الفساد الأدبي الشديد، أظهر نوح أيضًا استخفافًا عميقًا بالدنيا، فكانت له أسبابه ومنطقه لبناء سفينة عملاقة في الصحراء.  وكموسى «تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى» (عب11: 27)،  وسار قُدمًا في الإعداد لأحداث آتية لم تُرَ بعد، لكنها كانت متيَّقنة تمامًا للإيمان.

إن مثابرة نوح كانت انعكاسًا لصبر الله في ذلك الوقت العصيب على أرواح من كتب عنهم بطرس «إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى» (1بط3: 20).  وبالرغم من إعلان القضاء وتجهيز وسيلة الخلاص، استمرت الأمور من سيء إلى أسوأ، لتقُلِّص الصبر اللانهائي لإله مُحبَ، انقلبت  خلائقه المُحبَّبة ضده.  هل من اختلاف اليوم؟! يا ليتنا جميعًا نوجد مُخلصين كنوح، صابرين ومُقاومين كل شر وعصيان، وعيوننا مثبَّتة على الإله كلي المحبة والحكمة، الذي لا يخيب.

و كـكارز للبر لم يربح نوح نفسًا خارج عائلته، لكن عائلته كانت في غاية الأهمية.  لقد كان نوح أمينًا في بيته، وبالرغم من أنه لم يربح سواهم، فقد دعّمت أمانته معهم شهادته لعالم شرير غافل وبالإيمان «دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ» (عب11: 7).  إن نوح مثال قوى لنا جميعًا، وهو نموذج يُحتذى لإيماننا ولأعمالنا.  يا ليتنا نصير “نوح” زماننا، عندما يُدمِّر الفساد الأدبي المجتمع الذي نعيش فيه؛ نوح الذي يتكلم ويعيش بموجب الحق، مُحذِّرًا الخطاة من الدينونة الآتية، ومُقدِّمًا لهم الدعوة للدخول إلى فلك الله، الرب يسوع المسيح، للأمان والضمان الأبدي.

خلال الطوفان

إن قصة الطوفان تسلِّط الضوء بروعة على دقة مواقيت الله، وسيطرته التامة على الأحداث «وَلَمَّا كَانَ نُوحٌ ابْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ» (تك7: 6)، وكانت هذه هي السنة التي مات فيها أطول مَن عاش على الأرض عمرًا؛ متوشالح جد نوح.  وكان قد مات قبل ذلك، بخمس سنوات، لامك أبو نوح، وبذلك لم يعش أي من أسلاف نوح الأمناء ليعاصر كارثة الطوفان المروعة، التي كانت مُعَدَّة لغير الأمناء والفاسدين أدبيًا.

لا يعطينا الكتاب نظرة داخلية للحياة اليومية في الفلك أثناء السنة التي كان فيها بيتًا لعائلة نوح (تك7: 11؛ 8: 13، 14).  وبالرغم مِن عدم علمنا بأنشطة هذه العائلة أثناء سنة عزلتهم، إلا إننا نعرف إلههم جيدًا، لنعلم أنه لم يدعهم “يموتون من السأم”.  وهناك الكثيرون ممَن يظنون أن الحياة بالنسبة للمؤمنين مُملة طالما أنهم محرومون من مباهج هذا العالم الفاني ومغرياته.  أن نميز أن إلهنا يكفى دائمًا لأن يجعل حياتنا ممتعة ومرضية ومنتجة، فهذا هو التحدي، إلى أن نعرف أننا موضوع سروره، ومشمولين برحمته.  يا له من احتياج! ويا لها من مودة مباركة! فقط علينا أن نركِّز علي ما يفعل، وما نمتاز نحن بأن نفعله من أجله.  إنه أمر مُغرٍ لأن نتأمل كيف جعلهم الله مستمتعين ومتحمسين أثناء رحلتهم الغريبة.  إني متيقن من أنه لا برنامج تلفزيوني، ولا حفلة موسيقية، ولا مسابقة رياضية، ولا نزهة، ولا أي حدث من صنع البشر كان ممتعًا كتلك ال375 يومًا لضيوف الله، على متن أول سفينة بحرية في العالم.

ما يمكننا تعلّمه

إن أول مشروع لنوح بعد مغادرة الفلك كان بناء مذبحًا للرب، وتقديم محرقات له عليه (تك8: 20)، مؤكدًا في الحال على هويته كمتعبّد للإله الحقيقي، وأيضًا كمن يُعيد تأسيس العبادة على الأرض المُجدَّدة.  إن سقطته الأدبية اللاحقة لم يكن مُخطَّط لها، ولا تحتاج التنبير عليها كثيرًا سوى لكي نلاحظ أنه مهما كان نجاحنا أو انتصارنا، أو كيفما كان سيرنا مع الله حسنًا في الماضي، فنحن دائمًا عُرضة للخطية.  لقد كان نوح بشرًا، وإلهه وإلهنا منعم ومحب، ورحيم ومتسامح.  إننا في أشد الاحتياج إليه.
                                                                                                                      بيل فان راير