أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد مايو السنة 2013
قراءة ما بين السطور - قراءة من بين السطور
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة
ملخص ما نشر
في هذه الدراسة نحن نتتبع تاريخ الأمة من البداية وحتى النهاية، أي من دعوة الرب لإبراهيم، وحتى وقت “التجديد” و“أزمنة رد كل شيء”، أي مُلك المسيح السعيد على شعبه وعلى كل الأرض.  القسم الأول من سفر النشيد (أصحاح 1: 2- 2: 7) يمثل الفترة من تأسيس المملكة وحتى سبيها إلى بابل.  والقسم الثاني (أصحاح 2: 8-3: 5) يمثل العودة من بابل في انتظار مجيء المسيا.  والقسم الثالث، الذي وصلنا إليه (ص3: 6- 5: 1)، يحدثنا عن وجود المسيا معهم في الجسد، وحتى قيامته من بين الأموات، ومجيء الروح القدس، واستمرار الشهادة لهذه الأمة، دون جدوى.  وكنا في العدد السابق تحدثنا عن وصول المسيا وتعلق الأتقياء به.  وتوقفنا عند أعتاب الصليب.  ونواصل في هذا العدد سرد التاريخ العجيب كما نستشفه من بين سطور قصة الحب الواردة في سفر النشيد.

يمكننا تقسيم هذا القسم الثالث، الذي يحدثنا عن خدمة المسيح بين شعبه وخاصته (نشيد 3: 6 إلى 5: 1) إلى ثلاثة أقسام فرعية كالآتي:

1- خدمة المسيح الجهارية في إسرائيل، ونهايتها برفضه من الأمة (3: 6-11).

2- التلاميذ الأمناء الذين تبعوا المسيح، وتقديره لهم، وذهابه لأجلهم إلى الصليب ثم إلى بيت الآب (4: 1-7).

3- تكون الكنيسة يوم الخمسين بحلول الروح القدس، والتلاميذ في فترة سفر الأعمال.

إذًا فالأعداد الأولى من الأصحاح الرابع من سفر النشيد التي فيها يمتدح العريس عروسه، ويعلن إعزازه بها، نرى فيه تقدير الرب يسوع الكثير لتلك البقية التي أحبته وتعلقت به وتبعته في أيام جسده (مت19: 28)، ونرى ذلك مثلاً في لوقا 22: 28؛ ويوحنا 13-17.  
ويلي ذلك مباشرة قول الحبيب: «إلى أن يفيح النهار، وتنهزم الظلال، أذهب إلى جبل المر، وإلى تل اللبان» (نش4: 6).  وفي هذه الآية نرى إشارة واضحة لعمل الصليب وما يليه.  فجبل المر نرى فيه صورة للجلجثة، حيث شرب حبيبنا المر حرفيًا ومعنويًا (مت27: 34)؛ كما نرى فيه أيضًا صورة لقبر يوسف الرامي حيث تم تكفين جسد يسوع الكريم بالمر (يو19: 39).  وأما “تل اللبان” فيشير إلى العرش، حيث ذهب المسيح إلى السماء ليمارس الآن وظيفته الكهنوتية لصالح شعبه (عب8: 1، 2). 

وإذ كان المسيح مزمعًا أن يذهب إلى جبل المر ثم إلى تل اللبان، فإنه بعد أن نطق على مسامع خاصته بكلمات التعزية والتشجيع، قال لهم: «قوموا ننطلق من ههنا» (يو14: 31)، وانطلق إلى الصليب، وبعد ذلك انطلق أيضًا إلى “بيت الآب” كقوله لهم: «وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم» (يو14: 5-7).

يلي ذلك قول الحبيب لتلك البقية الأمينة (المحبوبة)، ليس فقط «أنت جميلة» (1: 15)، بل «كلك جميل.. وليس فيك عيبة» (ع7).  وهكذا فإنه بعد عمل المسيح فوق الصليب، وبناء عليه، صار المؤمنون بر الله في المسيح (2كو5: 21).  ومن يستطيع أن يجد عيبة واحدة في من صاروا بر الله؟!
بعد ذلك يقول العريس لمحبوبته: “هلمي معي”.  لقد كان قبل الصليب محصورًا، ولم يمكنه التحرك خارج حدود أرض كنعان، ولكن بعد الصليب قال لتلاميذه: “اذهبوا إلى العالم أجمع”، ولم يتركهم يذهبون بمفردهم، بل إنه – تبارك اسمه – قال لهم: “وها أنا معكم” (مت28: 19، 20؛ مر16: 15، 20).  
ثم إنه هنا، ولأول مرة، يقول عن المحبوبة إنها أخته.  وكم نتعجب من انطباق قصة الحب العجيب هذه - حتى في أدق التفاصيل – على قصة هذه البقية.  فالرب - قبل الصليب - لم يشر إلى تلاميذه مطلقًا بأنهم إخوته، لكن بمجرد أن قام من الأموات كان أول إعلان منه لمريم المجدلية: «اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم» (يو20: 17).  والشيء نفسه قاله للمريمتين في متى 28: 10.  كما أنه بعد القيامة، أمكنه أن يقول للآب: «أخبر باسمك إخوتي، وفي وسط الكنيسة أسبحك» (عب2: 12).

ثم في (ع8) يرد أيضًا لأول مرة كلمة “العروس”.  ولا يرد هذا اللقب الجميل في كل سفر النشيد إلا في هذا الجزء، ويرد بتكرار لافت إذ يُذكر ست مرات (4: 8، 9، 10، 11، 12؛ 5: 1).  وهذا يذكرنا بقصة جميلة وردت في العهد القديم، قصة إسحاق الذي وُضِعَ على المذبح إتمامًا لأمر الرب إلى إبراهيم، من ثم أُخذ من الأموات في مثال (تك22).  وإسحاق هو أول عريس في الكتاب المقدس بعد دخول الخطية.  ولكن – يا للعجب – إذ في الفصل الذي فيه وُضع إسحاق على المذبح، وأُخذ من الأموات بالقيامة، ترد الإشارة الأولى إلى “رفقة” التي صارت عروسًا لإسحاق (تك22: 23)!

وعندما يقول الحبيب: «أختي العروس جنة مغلقة»: فهذا يذكرنا باجتماع التلاميذ الأول الذي حضره المسيح في عشية يوم القيامة، عندما كانوا مُغَلِّقين الأبواب لسبب الخوف من اليهود.  وبالإضافة إلى المعنى المباشر البسيط لتلك العبارة، حيث كان التلاميذ هدفًا لعداء اليهود، فإن لها مدلولها الروحي؛ فينبغي على جماعة الرب أن تكون في عِلِيَّة (أي مرتفعة أدبيًا عن المحيطين بها) وينبغي أيضًا أن تكون العلِّية مُغَلَّقة “بسبب الخوف من اليهود”.  فكم كان خطرًا على الشهادة المسيحية، ولا سيما في بدايتها، تأثير اليهود السيئ (انظر أعمال 15؛ 21)!  والرب رأى في هذه الجماعة الضعيفة والبسيطة “جنته المغلقة”.  وهو دخل إلى جنته هذه، دون حاجة إلى استئذان (قارن نشيد5: 1)، وهكذا المسيح أيضًا دخل العلية دون أن ينتظر من يفتح له الأبواب، إذ دخلها والأبواب مغلَّقة (يو20: 19، 26)!

ويختم هذا القسم الجميل بقول العريس: “أكلت شهدي مع عسلي”.  ألا يذكرنا هذا بما فعله الرب المقام من الأموات مع تلاميذه، وكيف عندما دخل العلية أكل أمامهم وشرب (أع10: 41)، إذ «ناولوه.. شيئًا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم» (لو24: 36-43)؟
وبالعودة إلى هذه الفقرة النفيسة من سفر النشيد، بدءًا من الآية التاسعة من أصحاح 4، نجد الحبيب يمدح محبوبته بأعذب كلام، فيقول لها: “قد سبيت قلبي يا أختي العروس”، ثم يكرر ثانية “قد سبيت قلبي”.  ترى ما الذي سبى قلب هذا المحب الأعظم؟  الإجابة نجدها في قوله: «بإحدى عينيك، بقلادة واحدة من عنقك».  وقلادة العنق تذكرنا بالخضوع الكامل للمحبوب (أم1: 8؛ 3: 1-4).  وهكذا فإن العين المُوَحَّدة، وخضوع المحبوبة لحبيبها كان سر تقدير الرب لتلك البقية الأمينة.  واقرأ سفر الأعمال وتأمل تكريس المؤمنين الأوائل للمسيح، وخضوعهم الكامل له، وأنت تعرف سر إعجاب المسيح بتلك البقية الغالية والعزيزة على قلبه.

والعدد العاشر نرى فيه تكرارًا للوصف الذي وصف به العريس نفسه (قارن مع 1: 2، 3). وهذا معناه أن المؤمنين من شدة تعلقهم بالمسيح انطبقت أوصافه عليهم. فلا غرابة أن نقرأ هذا القول المفعم بالمعاني: «دُعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أع11: 26).

ويمتدح العريس في هذه الفقرة كلام العروس (ع11)، كما يمتدح أيضًا رائحة أدهانها (عطرها) ورائحة ثيابها (ع10، 11).  وهكذا ما كان أشد إعجاب الرب بكلام تلاميذه الشجاع في سفر الأعمال، وأيضًا بتأثيرهم الصامت على المحيطين بهم (انظر أع 3: 12-16؛ 4: 8-12؛ 5: 12-14؛ 6: 15؛ 11: 26)!  
ويتحدث العريس أيضًا عن الثمر الذي أنتجته العروس ومن ضمن هذا الثمر “العود والمر”.  وهكذا فإن التلاميذ بعد أن قام سيدهم من الأموات كانوا مستعدين أن يسيروا وراءه في طريق الألم والاستشهاد ذاته، فلقد قال الرب لبطرس قبيل الصليب: “ستتبعني أخيرًا” (يو13: 36)؛ ثم بعد قيامته من الأموات قال له: “اتبعني”، وذلك بعد أن حدثه أنه سيموت نفس الميتة التي ماتها المسيح، أعني ميتة الصلب (يو21: 18، 19).  ولم يكن في هذا ما يُربِك سمعان أو يثنيه عن اتباع الرب، بل كتب مشجعًا إخوته المؤمنين أن “المسيح تألم لأجلنا، تاركًا لنا مثالا لكي نتبع خطواته”؛ وقال أيضًا: «وأما خوفهم فلا تخافوه ولا تضطربوا، بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم» (1بط2: 21؛ 3: 14، 15).
 
ولقد أشار الحبيب أيضًا إلى السيول الجارية من لبنان (ع15).  في لبنان (ومعنى الكلمة “بياض”)، ذلك الجبل العالي، نرى صورة “ليسوع المسيح البار”، الجالس في يمين العظمة، فوق جميع السماوات؛ والذي قبل الروح القدس بعد الصليب، ليس لنفسه، فهو كان قد حصل عليه شخصيًا وهو هنا على الأرض (مت3: 16؛ مر1: 10؛ لو3: 22؛ يو1: 32)، بل هذه المرة حصل على عطية الروح القدس ليسكبه على المؤمنين به (أع2: 33).  هذه هي السيول الجارية “من” لبنان، التي كانت تروي “جنة الرب”.

عندما نالت تلك البقية الأمينة عطية الروح القدس “يوم الخمسين”، كان ذلك بمثابة المطر المبكر، أعني مجيء الروح القدس في انسكابه الأول على التلاميذ (أع2: 16، 33)؛ كما ينتظر البقية التقية في المستقبل المطر المتأخر (زك10: 1)، عندما ينسكب الروح القدس عليهم في آخر الأيام (يوئ2: 28، 29).  
وهكذا انسابت السيول من أورشليم إلى كل الأرض، وانتقلت البركة من الجنة إلى الجنات (ع15)!

لكن جنة الرب هذه لم تسلم من الرياح (ع16).  وما أكثر تنوع الرياح التي هبت على تلك الجنة خلال فترة سفر الأعمال.  فكِّر في أعمال 7-9، وفكِّر في أعمال 16، فستجد في كل من هذين الفصلين “ريح الجنوب الدافئة”، حيث تميزت تلك الفترات بسلام للكنائس في شهادتها، أو للرسل في خدمتهم، فتبارك العمل (أع9: 31؛ 16: 13-15)، كما ستجد فيها أيضًا “رياح الشمال العاتية”، صورة للاضطهاد الشرس من الأشرار، فجاءت البركات أيضًا (أع8: 1-3؛ 9: 1، 2، 13، 14؛ 16: 18-34). 

بالإضافة إلى ذلك فإن الجنوب في الكتاب صورة لرضا الله وبركاته (انظر تث33: 23).  وعليه فيمكننا أن نرى في ريح الجنوب الدافئة، صورة لبركات المسيح الصاعد إلى السماء، ولدفء تعزيات الروح القدس النازل من السماء.  فالمسيح صعد إلى السماء وهو رافع يديه لبركة شعبه، ووعد أن يرسل من هناك المعزي الآخر، الروح القدس، هذه هي “ريح الجنوب الدافئة”.  وأما ريح الشمال العاتية فهي صورة لمقاومة العالم الشرسة للشهادة للمسيح، سواء العالم الديني أو العالم المدني.  لكن هذه مع تلك آلت إلى أن تقطر الجنة ثمرها النفيس.

الخلاصة:

طال انتظار الأمة لمجيء المسيا، أمل الأمة الوحيد. ولكن نظرًا لشر قلب الأمة، وابتعادها عن الله، فإنه لما جاء المسيح إليهم لم يقبلوه، وليس ذلك فقط بل كللوه بالأشواك، وقتلوه على الصليب.  ولكن هناك بقية قليلة عمل الله في قلبها، أحبت الرب يسوع وتبعته. 
وهؤلاء صاروا نواة الكنيسة التي تكونت بعد موت المسيح وقيامته، وأما الأمة في مجموعها فقد فقدت كل أمل في المسيح بصلبهم إياه، ولكنه سيظهر في المستقبل لهم على أساس نعمة الله ورحمته العجيبة.
ولكن ليس قبل أن يجتازوا في الضيقة العظيمة، الأمر الذي سنراه في القسم التالي من سفر النشيد، في قصة الحب العجيب.
(يتبع)



يوسف رياض