أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد نوفمبر السنة 2005
آيات عسرة الفهم - آيات عسرة الفهم
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«لذلك يرجع شعبه إلى هنا. وكمياه مروية يمتصون منهم. وقالوا كيف يعلم الله؟ وهل عند العلي معرفة؟ هوذا هؤلاء هم الأشرار، ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة» (مز73: 11، 12).

هذه واحدة من الآيات العسرة الفهم، تركيبها اللغوي في العبري صعب، ولذلك فقد ترجمت بطرق متعددة. ولكي نفهم الآية فهمًا صحيحًا يلزمنا معرفة الجو الذي قيلت فيه.

كان آساف في هذا المزمور يتحدث عن الأشرار ونجاحهم اللافت، كيف أنهم ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون، رغم اقترافهم لكل الشرور التي يبغضها الله.  هذا الأمر أربك آساف، وليس أربكه هو وحده، بل ذكر تأثير هذا الوضع غير العادي على شعب الله، فقال الآية موضوع السؤال.

والمشكلة في هذه الآية مزدوجة: إلى أي شيء كان المرنم يشير لما قال «يرجع شعبه إلى هنا». ما هو ”هنا“ هذا الذي يتحدث عنه النبي؟  ثم إنه عندما يصف امتصاص المياه المروية في الفقرة التالية، ترى ماذا كان يقصد؟ ما الذي يصفه بتلك المياه المروية التي يُمتصون منهم؟ 

لقد كان النبي فيما سبق يتحدث عن أمرين متميزين: الأول هو ملذات هؤلاء الأشرار وشرورهم ونجاحهم أيضًا، والأمر الثاني تحدث النبي عن حيرته هو وارتباكه إزاء صمت الله وتغاضيه الظاهري عن مسلك هؤلاء الأشرار.  ولذا فلقد انقسم المفسرون إلى فريقين، كل فريق يحبذ اتجاه آساف في الحديث في هذه الآية إلى فكرة من الفكرتين السابقتين. فريق اعتبر أن الإشارة هنا هي إلى شر هؤلاء الأشرار ونجاحهم وملذاتهم، والفريق الآخر اعتبر أنه يشير إلى حيرة النبي وتعبه وارتباكه.

فبحسب الرأي الأول: يمكن تفسير عبارة «لذلك يرجع شعبه إلى هنا»، وشعبه هنا طبعًا ليسوا هم الأتقياء، أنقياء القلب (ع1)، بل هم مجرد المعترفين؛ هؤلاء تأثروا بحال الأشرار، فرجعوا إلى هنا، إلى هذا المسلك الشرير عينه، بمعنى إنهم انهمكوا بدورهم في الشهوات والملذات، يمتصونها مثل الأرض عندما تمتص المياه المروية. لقد خُدع شعب الله في صورة ذلك النجاح الظاهري، وخلو الحياة من المتاعب، فابتلعوا مياه اللذة حتى النهاية.

وهناك تعديل بسيط لهذا الرأي من فريق آخر. فيعتبرون أن عبارة «إلى هنا»: أي إلى هذه الأمثلة الشريرة. وأن عبارة «يُمتصون منهم» أي أن الأشرار يغرون ”شعبه“ لاتباع مبادئهم عينها.

وهذا الرأي الأول يراه العديد من المفسرين أمثال جرانت وسميث وجابلين وكلارك وفيليب وفلانيجان.

وبحسب الرأي الثاني: يفسرون «لذلك يرجع شعبه إلى هنا»، أي يرجع شعب الله إلى تلك الحيرة المربكة للإيمان، فشعب الله يعانون المعاناة ذاتها التي عانى منها آساف، ومشكلته هي بعينها مشكلتهم. إنهم يشربون الكأس ذاته، ويشربونه حتى النهاية، بل ويمتصونه ويرتشفونه بهدوء وببطء ليذوقوا مرارته، كأس العلقم هذا!

فعبارة «يرجع شعبه إلى هنا»: تعني أن شعب الله لا يقدر أن يفلت من التفكير في هذه المشكلة المحيرة. إنهم يتعثرون العثرة ذاتها التي وقع فيها آساف.

وهذا الرأي الثاني يراه بعض الشراح أمثال كلفن وجيل وبارنز ومتى هنري وسبرجون.

ولقد بلغ الظن بالناس، أنه على فرض وجود إله، فإن هذا الإله غير مكترث بما يجري أسفل، ولا يدري حقيقة الوضع هنا. فشعب الرب عندما رجعوا إلى هذا الأمر، وعندما شربوه وامتصوه، وصلوا إلى قناعة مخيفة هي «هل يعلم الله؟ وهل عند العلي معرفة؟». إنهم لم يستطيعوا التوفيق بين الأمور الحادثة ومطلق علم الله, كيف يعلم الله ويسكت؟ وهو إذا كان حقًا يرى ويعلم ما هو حادث، فلماذا لا يتدخل فورًا ويوقف حدوثه؟

وهذه العبارات قد تكون هي لغة الأشرار: نحن يمكننا أن نسحق المساكين، ونعيش كما يحلو لنا، والله لن يعلم ذلك، ويستحيل عليه أن يعلم هذا.  إنها تشبه كلمات أليفاز التيماني لأيوب: «هوذا الله في علو السماوات، وانظر رأس الكواكب. ما أعلاه! فقلت (أنت) كيف يعلم الله؟ هل من وراء الضباب يقضي؟» (أي22: 12و13).

أو – على الأرجح – هي لغة الشعب المتعثر أنفسهم.  ويؤيد ذلك، العدد 12 الذي فيه يقول الشعب المتعثر: «هوذا هؤلاء هم الأشرار، ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة».  لقد أرادوا تسكين ضميرهم، فقالوا هذا الذي قالوه.

يا لها من تجربة مريرة للإيمان! يا له من عذاب رهيب، أن يتعرض المؤمن لمثل هذه الشكوك! تخيل حال المؤمن عندما يتسرب إليه شك في الله وفي مطلق علمه وفي انشغاله عن حال شعبه المتألم على الأرض!

والدرس الذي علينا أن نخرج به هو: لنحذر من مجرد صورة التقوى في هذا الزمان الرديء، فإنها لن تصمد أمام امتحان الإيمان.  ولنحذر أيضًا من أن نتقي الله طلبًا للمنفعة الوقتية، بمعنى أنني سأتقي الله وهو سيعطيني حياة مليئة بالأفراح الزمنية والخيرات الأرضية، خالية تمامًا من المنغصات. بل علينا أيضًا أن نتجنب الذين يروجون لمثل هذه الأفكار، في إنجيل ”الصحة والغنى“، وهم أناس فاسدو الذهن وعادمو الحق، يظنون أن التقوى تجارة (1تي6: 5).

يوسف رياض