أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يونيو السنة 2010
وداعا للامتعاض والدمدمة
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة (في14:2)

كان الأخ _ممتعض_ كثير التذمر، سريع الغضبفإذا سمع خبرًا عن ترقية زميل أو نجاح آخر، إمتعض على الفور وظهرت معالم الامتعاض على وجهه. فكان يضم شفتيه، ويدفعهما ناحية اليمين مرة، وناحية اليسار مرة أخرى، ويستمر هكذا حتى يلتقي مع أصحابه الذين يفهمونه، فيفرغ لهم هواجسه وكل ما بداخله، فيريحوه، ويؤكدوا له بأن هذا لا يستحق الترقية، وذاك لا يناسبه النجاح. وكان صاحبنا يواظب على حضور الاجتماعات ويصغي بانتباه لكل ما يقال، فإذا طلب أحدهم ترنيمة وكانت طويلة نوعًا وغير مناسبة في نظره، ضم شفتيه وبوز، أما إذا تلعثم أحدهم فى الصلاة، أو تاهت منه الفكرة التى كان يصلى فى جوها إزدادت حدة التبويزات.. أما إذا شارك أحدهم بكلمة وعظ ولم يكن في نظره موفقًا فى مشاركته دمدم واستشاط غضبًا، ولو كان في الإمكان لعقد له إجتماعًا فوريًا لمحاسبته. ولكن الذي يعزيه هي نظرات الرضا والموافقة من _إخوان ممتعض_، وكأنها توحي له بالقول: _انتظر واصطبر. سنجلس ونتحدث، وبنعمة الله سنقتل المخطأ إذا استدعى الأمر، وذلك كله لمجد الرب طبعًا!!_ 

تعود صاحبنا على هذا الحال، وأصبحت عادة التبويز والتكشير تميزه، وهو يظن أنه الوحيد المميز، والوحيد الفاهم، والوحيد المدافع عن الحق.

إن أخانا هذا يذكرنا بيونان النبي يوم أن خرج وجلس _شرقي المدينة_، حيث الريح الشرقية التي تذبل وتيبس وتنشف كل ما يقع تحتها، فكان يونان مهمومًا مغمومًا، وخلى قلبه من ينبوع الرحمة التي في قلب ربه نحو الخطاة والعصاهلقد طلب النقمة، فكانت لقمة حلوة في فمه، اما الرحمة فكانت لحلقه شيئًا مر المذاق.

إخوتي الأحباء: يوجد مؤمنون لا يحلو لهم الجلوس إلا في الجانب الشرقي من الاجتماع. نحن نعرفهم، إنهم يشّهرون دائمًا بأخطاء إخوتهم، ويقولون عادة إن الاجتماع كان مملاً والخدمات رتيبة والأعداد قليلة والمحبة باردةيتكلمون كثيرًا عن التبشير وكيف يجب أن يمتد؟ وهم لا يعملون شيئا لامتداده، ويتحدثون عن ضعف التعليم وهم لا يزينوه ولا يطبقوه، فقط هم ممتلئون بروح النقد، وإدانة الآخرين.. لكن من رحمة الرب على هؤلاء أن يشعرهم بمرارة هذا المكان الذي اختاروه لأنفسهم، كما شعر يونان بالشمس التى لفحته والريح التي أذبلته.

وهكذا دخل الأخ _الممتعض_ إلى مقادس الله ليطّلع على فكره، ويستمع إلى صوته، جلس حزينًا راكعًا على ركبتيه، فهو لم يختبر فرحًا أو سلامًا، وتزمره المستمر قتل فيه كل شعور بالحياة، لذلك كان هذه المرة مخلصًا وأمينًا مع نفسه فالذي كان يخفيه من الناس أعلنه أمام الرب، فبدأ روح الله يستعرض أمامه روعة المسيح فى اتضاعه من خلال (في2: 5)، ولمسه الفكر الذي في المسيح يسوع، وكيف حرم منه كل هذه السنين.. الفكر الذى جعل المسيح وهو صورة الله أن يتضع ويأخذ صورة عبد بل وفي شبه الناس لكي يخدمنا ويموت عنافصلى قائلاً: _يا رب خذ بيدي وساعدني حتى يكون فيّ هذا الفكر. دعني أكف عن روح الكبرياء، والنقد الهدام، والغضب السريع، وإدانة الآخرين، والإساءة إلي سمعتهم. هذا الروح الذي حرمني من سلامك ومن استخدامك_. وبروح الخشوع والتعبد استمر في القراءة حتى وصل إلى الآية 14 _افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة_. فكانت كسهم اخترق أعماق قلبه!

 وكلمة (دمدمة) في أصلها اليوناني مأخوذة من هدير الحمام. والدمدمة تعني التحادث السري على الناس، والغضب منهم، والتذمر عليهم، والشكوى ضدهم.

أما _المجادلة_ فهي المناقشات العقيمة التي لا تبني، وهي مبنية على الشكوك والظنون السيئة. والدمدمة والمجادلة هما أساس الإنقسامات والخصومات في الاجتماعاتثم قرأ: _لكى تكونوا بلا لوم وبسطاء أولادًا لله بلا عيب، فى وسط جيل معوج وملتو، تضيئون بينهم كأنوار فى العالم_.

- وأمام هذه الفضائل شعر بشره، واعترف بحالته، وطلب من الرب أن يشفيهلقد تعلم الدرس، وراح يسلم لمن يقضي بعدل، ولا يحكم في شيء قبل الوقت.

وقرر أن يودع روح الدمدمة والمجادلة، ففرح قلبه، وأنفرجت أساريره، وترك نفسه، بل وعضلات وجهه لروح الله، ليرسم البسمة على محياه..

 ليتنا نحن أيضًا لا نحكم في شيء قبل الوقت (1كو4: 5). وأن نترك المخطئ للروحانيين لكي يصلحوه بروح الوداعة (غلا6: 1) لمجد الرب يسوع أولاُ وأخيرًا..

صفوت تادرس

 

صفوت تادرس