أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
في هذا الكتاب نعيش الأحداث المثيـرة مع داود، بطل الإيمان، في رحلة حياته واختباراته. في شبابه المُبكِّر وحـتى شاخ واضمحلَّت قوته. عندما كان يرعى الغُنيمات القليلة في البرية، وعندما جلس على العرش ليرعى شعب الله. في رفضه ومُلكه، في أحزانه وأفراحه، في مرتفعاته ومنخفضاته، في صموده وإعيائه، في انتصاراته وسقطاته، في توبته ودموعه. وسـتجد دروسًا عن حكـومة الله البارة، ومــزيجًا من النعـمة والـبر في معـاملات الله معه. وستجد بشكل مُذهل التدخُّل الإلـهي السيادي في أحداث حياته. ورغم عداوة الإنسان وشراسة الشيطان، لكــن القصـــــد الإلـهي كان يشق طريقه في حياة داود، ولم تســقط كلمة من كل الكلام الصالح الذي تكلَّم به الرب عن داود، وعن بيتــــه إلى زمان طويل. وسترى كيف كان داود رمزًا لشـخص الرب يسوع المسيح، في مجيئه الأول ورفضه، وفي مجيئه الثاني ومجد مُلكه العتيد، يوم يملك بالعدل والبـر، وتخضع له كل الشعوب، وحينئذ سيسود السلام في كل الأرض. والكتاب في ٣٦٤ صفحة. وسعره ٥٠جنيهًا. ومتوافر في مكتبات الإخوة. نشجعك على اقتنائه وقراءته.
 
 
عدد مايو السنة 2022
قِصَّةُ نُعْمِي
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«فَقَالَتِ النِّسَاءُ لِنُعْمِي: مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُعْدِمْكِ وَلِيًّا الْيَوْمَ» (را ٤: ١٤)

قصة رَاعُوث المُوحى بها، واحدة من أسفار العهد القديم التاريخية. عند قراءة القصص، من المفيد إدراك الملامح الرئيسية الموجودة فيها. عادةً ما تعطي البداية بعض المعلومات كخلفية للقصة، ليتسنى للقارئ فهم سياق الأحداث. ثم يبنى الكاتب الحبكة الدرامية التي غالبًا ما تتمركز حول هدف يُرجى تحقيقه، أو مشكلة ينبغي حلها. وأما تعقيدات الأحداث فهو ما يجعل القصة أكثر تشويقًا. ثم تأتى الذروة، حيث يتحقق الهدف أو تُحل المشكلة. ويتبع ذلك اتخاذ القرار الذي يتضمن النتائج ومقتضيات هذا القرار. وأثناء سرد القصة، يستخدم الكاتب البراعة الفنية في خلق التشويق والإثارة ليجذب الانتباه إلى الشخصيات الرئيسية وكذلك سير الأحداث في القصة. دعونا نتأمل بعض هذه السمات في سفر رَاعُوث، مع تسليط الضوء على الطريقة التي عرَّف بها الكاتب (غير المعروف) الشخصيات الرئيسية، ولفت الانتباه إلى الهدف الذي كان يحاول نقله للقارئ.

الشخصية الرئيسية

يتبع سفر راعوث هذا النموذج من تركيب القصة، والدراية بهذا تساعدنا على فهم الأحداث التي تدور في السفر بالفعل. إن معظم الدراسات لهذا السفر تنحصر في دراسة شخصيتي رَاعُوث أو بُوعَز، أو في التأمل في علاقتهما، وكل هذا مهم بالطبع. ولكننا عندما نميز تركيب قصة السفر، يتكشف لنا أنه يخص نُعْمِي بالأكثر، كما هو مثبت بجذب انتباه الكاتب لها من خلال تركيب سرد القصة.

إن الطريقة التي افتُتح بها السفر تقود القارئ لأن يتوقع أن تكون الشخصية الرئيسية هو ”أَلِيمَالِكُ“. فأن تبدأ قصة، في مجتمع ذكوري ذي ثقافة شرقية، بتقديم رجل تحرَّك ليعتني بزوجته وأولاده، فإن هذا يركز انتباه القارئ عليه. لكنه يُدهشنا أن هذا الرجل يموت في العدد الثالث من الأصحاح الأول. تمامًا مثل مُشاهد اليوم الذي يشاهد مطلع فيلم تتركز كل أحداثه على شخصية يلعب دورها ممثل مشهور، فقط لكي تموت هذه الشخصية بعد بضع دقائق من بداية الفيلم. من المؤكد أن هذا يقود المُشاهد لأن يتفكر: ”ما هذا الذي يحدث؟! كنت أظن أن تدور أحداث القصة عنه!“ هذا هو تأثير بداية القصة في سفر رَاعُوث التي تركز على أَلِيمَالِكُ، ثم سرعان ما نراه يموت!

إن الصياغة والألفاظ المُستخدمة عند هذه النقطة حاسمة، لفهم التحوّل الذي يُقدّمه الكاتب. فبينما كانت نُعْمِي ببساطة هي ”امْرَأَتُهُ (زوجة) أَلِيمَالِك“ في العدد الأول والثاني، قُدِّم أليمالك في العدد الثالث عند موته باعتباره ”رَجُلُ نُعْمِي“. أي أن الكاتب حول النقطة المرجعية من أَلِيمَالِك إلى نُعْمِي. لم يعد مركز الاهتمام الزوج/الأب، كما كان متوقعًا، بل بالحري الزوجة/الأم. هذا التغيير في النقطة المرجعية دعمه التغيير في وصف الابنان. في البداية قُدّما باعتبارهما ”ابني أَلِيمَالِك“، أما بعد ذلك فنراهما باعتبارهما ”ابْنَاهَا“. لقد تغيَّر كل شيء فجأة؛ من كون أَلِيمَالِك هو الشخصية الرئيسية المتوقعة في القصة، إلى نُعْمِي، الشخصية الرئيسية الحقيقية. بهذا الأسلوب يُبرز الكاتب نُعْمِي باعتبارها الشخصية المحورية بجدارة، مما يزيد تشويق القارئ في نفس الوقت.

المشكلة

إن المشكلة التي واجهتها نُعْمِي حدثت عندما مات أَلِيمَالِكُ وكذلك ابنيها، تاركين إياها وحيدة. وتأثير هذا الوضع حرج جدًا في المجتمعات الشرقية القديمة، بالرغم من إمكانية غيابه عن قارئ اليوم. ففي تلك الثقافة، كان وضع المرأة، ولا سيما المُسنة التي بلا زوج أو أبناء يعولونها، صعبًا وعسيرًا. كان استمرار حياتها - بلا مصدر لأساسيات الطعام واللباس والمأوى - في خطر محيق.

إن المشكلة التي واجهتها نُعْمِي، بالرغم من وضوحها في الحالة التي وصلت إليها، إلا أن الكاتب دعمها باستخدام تعبيرات تبرز ورطتها: «وَمَاتَ أَلِيمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي، وَبَقِيَتْ هِيَ وَابْنَاهَا ... ثُمَّ مَاتَا كِلاَهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْيُونُ، فَتُرِكَتِ الْمَرْأَةُ مِنِ ابْنَيْهَا وَمِنْ رَجُلِهَا». والطريقة التي يُقدِّم بها الكاتب القصة وشخصياتها، يتضح لنا أن الشخصية الرئيسية هي نُعْمِي، ومشكلتها هي الترك الذي يهدد حياتها.

كذلك يدعم نهاية سفر راعوث فكرة كون نُعْمِي هي الشخصية الرئيسية، وأن مشكلتها تهدد بقاءها على قيد الحياة. ولحل المشكلة، كان لا بد من ولادة الولي الفادي، مع توجيه الكاتب اهتمام القارئ إلى نُعْمِي «فَقَالَتِ النِّسَاءُ لِنُعْمِي: مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُعْدِمْكِ وَلِيًّا الْيَوْمَ ... وَيَكُونُ لَكِ لإِرْجَاعِ نَفْسٍ وَإِعَالَةِ شَيْبَتِكِ» (را ٤: ١٤، ١٥). وللمزيد من التأكيد، يقتبس الكاتب أيضًا من أقوال الجارات: «قَدْ وُلِدَ ابْنٌ لِنُعْمِي» (را ٤: ١٧). إن كل التعليقات الختامية تتمحور حول نُعْمِي وقضية فكاكها وكفالتها وحمايتها. وبالمناسبة، فإن الكاتب يبدأ وينهى القصة بطريقة توضح أنها عن نُعْمِي، واحتياجها للخلاص.

الحبكة الدرامية

بمجرد تقديم الشخصية الرئيسية والمشكلة، تتبلور حبكة القصة؛ لقد سمعت نُعْمِي، المتروكة وحيدة، والتي كان أمر استمرار حياتها في خطر، سمعت أن الرب افتقد شعبه في موطنها الأصلي، وأعطاهم طعامًا. وعند عودتها، يُقدِّم الكاتب مأساتها الشخصية، على النقيض مما لشعب بيت لحم اليهودية. في اليهودية، لم يكن هناك خبز في بيت لحم (بيت الخبز)، لكن الرب أنقذهم بتسديد احتياجهم. هذه الحالة تستدعى السؤال: طالما بسط الرب لطفًا لشعبه، بتسديد احتياجهم وسط حالتهم المهددة لحياتهم، هل سيفعل هكذا مع نُعْمِي؟

الموضوع

بالإضافة إلى محنة نُعْمِي، يُقدِّم الكاتب سمة في غاية الجمال، لكنها تبدو في البداية وكأنها لا تنتمي لمسار أحداث القصة: ”ماذا كان على رَاعُوث أن تفعل حيال هذه الحالة؟“ بالرغم من إعجاب القارئ الشديد بمشاعر رَاعُوث تجاه نُعْمِي، لم يكن ينتظر منها أن تعولها، إذ أنها هي أيضًا أرملة. إذًا ما دخل هذا الأمر بالقصة؟! يُقدِّم الكاتب موضوع السفر من خلال هذا السؤال. ولإبراز أهميته، يُقدِّم الكاتب رَاعُوث في تباين مباشر مع عُرْفَة. إن تحريض نُعْمِي لكل من راعوث وعُرْفَة للرجوع إلى موآب كان في الواقع أمرًا طبيعيًا جدًا. فلم يكن ما تتمناه هاتان الشابتان أن تتبعاها، طالما لم يكن لها ما تُقدّمه لهما. ولكي تتحاشيا الوضع الذي كانت تمر فيه، كان أملهما الوحيد هو أن تعود كل منهما إلى أهلها وتتزوج ثانيةً، وبذلك تحصلا على وسيلة للإعاشة والأمان. فعلت عُرْفَةُ المعقول، ورجعت. لكن عملها ألقى الضوء على شخصية رَاعُوث، التي فعلت غير المُتوَّقع تمامًا. فمن منطلق الاهتمام بنُعْمِي، كرَّست نفسها لحماتها، بِغض النظر عن تأثير ذلك عليها شخصيًا. هكذا، قدَّم الكاتب شخصية إيجابية يُميزها الولاء.

على مدار القصة، تستمر كل من شخصية رَاعُوث وبُوعَز في إظهار مبدأ الولاء هذا. فيمتدح بُوعَز اهتمام رَاعُوث بنُعْمِي، الذي برهنت عليه بتركها بيتها وعائلتها، لتتبع نُعْمِي إلى أرض غريبة. ثم عندما عرضت رَاعُوث نفسها لبُوعَز ليتزوجها، أعلن بُوعَز أن عمل تكريسها الثاني، كان أعظم من الأول. كان عمل التكريس الأول هو ترك موآب، أما الثاني فكان التخلي عن حريتها، لتصير زوجة لبُوعَز، لإعاشة نُعْمِى*.

قدَّم الكاتب بُوعَز أيضًا كمن يذهب أبعد من التوقعات الطبيعية، ليُظهر الإحسان والولاء للآخرين. فكالولي، لم يكن بُوعَز مُرغمًا على الإقدام على زيجة من أرملة قريبه، ليُقيم له نسلاً. لقد كانت هذه مسؤولية الأخ لا الولي**. إلا أن الولاء الحقيقي للعائلة، يذهب إلى ما هو أبعد من المتطلبات الشرعية والتوقعات الثقافية، لإظهار الإحسان لكل من رَاعُوث ونُعْمِي.

الهدف

بالرغم من وجود مواضيع متعددة، ومواضيع فرعية منسوجة خلال سفر رَاعُوث، أعتقد أن الهدف الرئيسي من القصة مُقدَّم في الشخصية المحورية ومحنتها. كانت نُعْمِي في حالة مُهدِّدة لصحتها وأمنها وأمانها. إلا أنه بتداخل الرب في أمور شعبه، سدد احتياجاتها.

ومن المهم أن تلاحظ الحقبة التاريخية لتلك القصة؛ أيام القضاة، التي تميزت بانحدار مُريع وسريع لإسرائيل، في الخطية والوثنية. هذه القصة تؤكد حقيقة أنه حتى في وقت كهذا، يُمكن الاعتماد على الرب ليعتني بخاصته. وبالرغم من إمكانية تدخله غير المرئي في المشهد على خلاف عمل الآيات المرئية - كالخروج من مصر، أو عبور الأردن - إلا أنه كان ما يزال موجودًا، ويمكن الاتكال عليه. من خلال قصة نُعْمِي، أمكن لإسرائيل تذكر أنه، حتى في الأوقات المظلمة، يعمل الرب دائمًا بهدوء من خلف الأحداث، ويقود الظروف، ويحفز شعبه ليُظهِر الرحمة والمحبة للآخرين.

وكما كانت هذه الرسالة مُشجِّعة لإسرائيل، كذلك يجب أن تكون مُشجِّعة لشعبه اليوم. فبغض النظر عن فشل الكنيسة المريع، وبالرغم من ظلمة الحالة وقسوة تجربتها، فالرب لا يزال يعمل، مُحفزًا شعبه ليسددوا احتياج الآخرين. بهذه الطريقة هو يعتني بخاصته، وبنعمة يسمح لشعبه أن يشترك في تلك العناية.

توم كيزر


* كان من المفترض أن تأتى قصة زواج رَاعُوث وبُوعَز في سياق قصة حب. إلا أن هذه ليست الطريقة التى قدَّم بها الكاتب القصة. لقد عرضت راعوث نفسها للزواج بغرض تقديم الولي لإعاشة نُعْمِي. لهذا قال بُوعَز ما قال عن عمل تكريسها الثاني.

** لاويين ٢٥ تحدد مسؤوليات الولي الأقرب في شراء ملك لفكه من الرهن، أو شراء قريب لفكه من العبودية، والثأر لدم القريب. وأيضًا عدد٥: ٨ يتضمن فكرة تأمين القريب. إلا أن مسؤولية الزواج من الأرملة أعطيت فقط للأخ (تث ٢٥: ٥-١٠).