أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
في هذا الكتاب نعيش الأحداث المثيـرة مع داود، بطل الإيمان، في رحلة حياته واختباراته. في شبابه المُبكِّر وحـتى شاخ واضمحلَّت قوته. عندما كان يرعى الغُنيمات القليلة في البرية، وعندما جلس على العرش ليرعى شعب الله. في رفضه ومُلكه، في أحزانه وأفراحه، في مرتفعاته ومنخفضاته، في صموده وإعيائه، في انتصاراته وسقطاته، في توبته ودموعه. وسـتجد دروسًا عن حكـومة الله البارة، ومــزيجًا من النعـمة والـبر في معـاملات الله معه. وستجد بشكل مُذهل التدخُّل الإلـهي السيادي في أحداث حياته. ورغم عداوة الإنسان وشراسة الشيطان، لكــن القصـــــد الإلـهي كان يشق طريقه في حياة داود، ولم تســقط كلمة من كل الكلام الصالح الذي تكلَّم به الرب عن داود، وعن بيتــــه إلى زمان طويل. وسترى كيف كان داود رمزًا لشـخص الرب يسوع المسيح، في مجيئه الأول ورفضه، وفي مجيئه الثاني ومجد مُلكه العتيد، يوم يملك بالعدل والبـر، وتخضع له كل الشعوب، وحينئذ سيسود السلام في كل الأرض. والكتاب في ٣٦٤ صفحة. وسعره ٥٠جنيهًا. ومتوافر في مكتبات الإخوة. نشجعك على اقتنائه وقراءته.
 
 
عدد مايو السنة 2022
أسئلة سمعان بطرس
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

(تابع ما قبله)

السؤال الثاني: كيفية الغفران

«حينَئذٍ تقَدَّمَ إليهِ بُطرُسُ وقالَ: «يا رَبُّ، كمْ مَرَّةً يُخطِئُ إلَيَّ أخي وأنا أغفِرُ لهُ؟ هل إلَى سبعِ مَرّاتٍ؟ قالَ لهُ يَسوعُ: لا أقولُ لكَ إلَى سبعِ مَرّاتٍ، بل إلَى سبعينَ مَرَّةً سبعَ مَرّاتٍ» (مت ١٨: ٢١، ٢٢)

انساب هذا التساؤل تلقائيًا من بين شفتي بطرس بناءً على ما سبقه في متى ١٨: ١-٢٠، والذي يحتوي على مبادئ بالغة الأهمية بالنسبة لأولاد الله. يفترض متى ١٨ أن المسيح غائب بالجسد، بعد أن رُفض من الأمة، كما سبق وأنبأ الرب تلاميذه في متى ١٦، ولم يكن المجد المسجَّل في متى ١٧ قد أتى بعد. إن متى ١٨ يستكمل متى ١٦، حيث يتحدث الرب عن موضوعين هما: الكنيسة، ذلك الشيء الجديد الذي كان على وشك أن يبنيه؛ وملكوت السماوات، وهو موضوع معروف للتلاميذ، ذلك الملكوت الذي وعد بأن يعطي مفاتيحه لبطرس. هذان الموضوعان يتحدث عنهما الرب مرة أخرى في متى ١٨، كاشفـًا عن الروح التي تُميز أتباعه بما يتناسب مع ملكوته، ثم المكان الذي من المفترض أن تشغله الكنيسة على الأرض في التأديب والصلاة.

قد تجد وداعة في الطفل الصغير كونه غير قادر على إثبات حقوقه في عالم لا يعيره اهتمامًا، فروح التواضع والاتكال دون سواها هي التي تليق بالملكوت (مت ١٨: ١-٤). وعمليًا، يجب الحرص على عدم الإساءة إلى هؤلاء الصغار، بالتوازي مع الحكم على الذات. فأن تكون حجر عثرة أو فخـًا لواحد من الصغار الذين يؤمنون بالمسيح، فهذا يعني أنك ستنال دينونة رهيبة. كان من المفترض أن يكون قانون الملكوت هو العناية الرقيقة بالضعفاء والحكم بشدة على الذات. ففي حال تواجد ذلك، لن يكن هناك حجر عثرة يعرقل الصغار والضعفاء، ولن يكون أي فخ موضوعـًا لسقوط التلميذ (مت ١٨: ٥-٩). علاوة على ذلك، يُرسَم أمامنا هنا فكر الآب نحو هؤلاء الصغار، فهم موضوع رعايته ونعمته. إذ لم يتعامل معهم باحتقارٍ أو ازدراءٍ، بل على العكس نراه يقبلهم في محضره بضعفهم كما هم. وقد جاء ابنه - ابن الإنسان - «ليخلص ما قد هلك» (مت ١٨: ١٠-١٤). علاوة على ذلك، إذا حدثت إساءة، بحيث أخطأ الأخ بحق أخيه؛ يُفترض أن ينال المخطئ الغفران النابع من كمال النعمة. هذه هي روح الملكوت، إنها روح النعمة. فمن ناحية، كان على التلاميذ أن يكونوا مثل الأطفال الصغار في التواضع والاتكال. ومن ناحية أخرى، كان عليهم أن يتمثلوا بالآب، ليكونوا أدبيًا مثله، وبالتالي يكونون حقًا أبناء الملكوت.

بعد أن صعد المسيح إلى العلاء، كان على الكنيسة أن تُمثله وتشغل مكانه عمليًا على الأرض. فإذا أساء الأخ إلى أخيه، كان على التلميذ أن يربح أخاه. يتنحى الكبرياء البشري جانبًا حتى وإن تطلب الأمر أن يضع الأخ نفسه من أجل أخيه؛ فالمحبة الإلهية تسعى وراء المخطئ لأن هذا بالضبط ما يفعله الله. عندما أهلكتنا الخطية وصرنا غرباء عن الله، ما الذي سدد قصور حالتنا؟ هل انتظر الله حتى نفعل الخير؟ كلا! بل أرسل ابنه سعيًا وراء الضال. هذا هو المبدأ الذي يجب أن يعمل أولاد الله على أساسه. لقد تصرف الله على هذا النحو، ويجب على أولاده أن يتمثلوا به. أأنت مِلْكٌ للرب؟ أأنت ابن له؟ إذن، ماذا ستفعل لو ظلمك أخوك؟ اذهب وراءه وقَوِّم سبله. تلك هي حقًا المحبة العاملة المضحية. المحبة التي تبحث عن الخير للآخر حتى وإن أخطأ، والتي تصر على ربح الأخ الضال، فهي تسعى وراءه سريعـًا «إنْ سمِعَ مِنكَ فقد رَبِحتَ أخاكَ». لنلاحظ أن الرب لم يقل ”فقد ربحت المسيء“ أو ”المتعدي“؛ فمن يضع نصب عينيه أن يقتفي أثار المسيح، ينظر إلى ذاك المخطئ باعتباره «أخًا له».

إن سمع الشخص الذي أساء إلى أخيه، يكتم المُساء إليه الأمر في قلبه. أما إذا احتقر الأخ الذي أخطأ هذه النعمة، وجب أن يذهب شاهدان أو ثلاثة، سعيًا منهم لأن ينبهوا ضميره. إن لم ينفع كل هذا، يجب أن تعلم الكنيسة بهذا الأمر، وإنْ لَمْ يَسمَعْ مِنَ الكَنيسَةِ فليَكُنْ عِندَكَ (أي: عند المساء إليه) كالوَثَنيِّ والعَشّارِ. ليس هذا هو النظام العام داخل الجماعة، بل هي الروح التي ينبغي أن يسير بها المسيحيون (متى ١٨: ١٥-١٨). من ثم تصادق السماء على ما ربطته الجماعة على الأرض؛ بالإضافة إلى ذلك، إذا اتفق اثنان أو ثلاثة على الأرض على طلب أي شيء، فسيسمع الآب ويستجيب؛ يقول الرب: «لأنَّهُ حَيثُما اجتَمَعَ اثنانِ أو ثَلاثَةٌ باسمي فهناكَ أكونُ في وسطِهِمْ». (متى ١٨: ١٩، ٢٠). لن يكون شيئًا جليلاً ومهيبًا سواء فيما يتعلق بالتأديب أو بالصلاة كمثل المبدأ العظيم الذي أرساه الرب هنا ليمنح تعضيدًا وتشجيعًا؛ فما أن يجتمع اثنان أو ثلاثة فقط باسمه، فهو يكون هناك في وسطهم. وسواء كانت قرارات أو صلوات، فهم ممثلون المسيح على الأرض، لأن المسيح نفسه يكون معهم.

يبدو واضحًا أن عظمة الحقائق التي كشفها الرب قد تغلغلت في روح بطرس حين كان يسمعها، وتولدت رغبة داخله أن يعرف بوضوح مدى مسؤولية التصرف بالنعمة، فتساءل مستفسرًا: «يا رَبُّ، كمْ مَرَّةً يُخطِئُ إلَيَّ أخي وأنا أغفِرُ لهُ؟ هل إلَى سبعِ مَرّاتٍ؟». كان آخر مدى عن النعمة لدى بطرس هو: «إلى سبع مرات». كان ذلك بالتأكيد أقصى ما يتوقع من الناموس - الذي يطالب بالبر ولا يعرف عن الغفران شيئـًا - الذي يغض البصر عن حالتنا العملية العاجزة عن فعل ذلك. كان سؤال بطرس كالتالي: افترض أن أخي يخطئ ضدي، مرارًا وتكرارًا، كم مرة سأغفر له؟ فكان جواب الرب: «لا أقولُ لكَ إلَى سبعِ مَرّاتٍ، بل إلَى سبعينَ مَرَّةً سبعَ مَرّاتٍ». في عهد الناموس، لم يكن الغفران معروفًا، فقد كان «عَينٌ بعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ»؛ ولكن في ملكوت السماوات، وتحت حكم المسيح السماوي المرفوض، يأخذ الغفران صفته منه، ويكون غفرانًا بلا حدود. يصر الرب على أنه عمليـًا لا يوجد حد له، فهو يتدفق باستمرار. إنه انعكاس لطرق الله مع الإنسان.

يجب أن نتذكر أن هذه الإساءة هي خطية وُجهت ضدنا وليست ضد الرب. فلا يمكن للكنيسة أن تغفر أي خطية ضد الرب إن لم يغفرها الرب ذاته، والرب يغفر فقط عند التوبة والاعتراف بالخطية. لكن، كمؤمنين، علينا أن نغفر لبعضنا البعض بلا حدود. لا بد أن يكون شعار المسيحي في هذا الشأن «سبعينَ مَرَّةً سبعَ مَرّاتٍ». يا لها من حقيقة إلهية مباركة، فليس غفران الله هو الذي يتجاوز الحدود فحسب، بل حتى إنسان على الأرض - أي قديس يسكنه الروح القدس- مدعو لأن يغفر بحسب هذا النموذج السماوي للغفران الذي تمتع به في صليب المسيح. أرجو أن نتعلم العيش بمقتضى هذا. إذا سرنا على هذا النحو، فأي فرح يملأ أرواحنا، وأي بهجة ستملأ جماعات القديسين المتواجدين في كل مكان. ولكن للأسف الشديد، قليلون جدًا منا لم يصلوا حتى إلى «سبع مرات» التي كانت أقصى ما توقعه بطرس. نعتقد أننا نقوم بعمل جيد إذا غفرنا مرة أو مرتين، ولا يمكن توقع أي شيء يتجاوز تلك المرات القليلة إذ نعتبره شيئًا غير معقول أن نغفر أكثر من ذلك. فليساعدنا الرب لنتمم فكره في هذا الأمر، وفي كل أمر.

(يتبع)


و. ت. ب. ولستون