أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يناير السنة 2016
ببراهين كثيرة قاطعة
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

الفصل الثالث

مريم المجدلية

«وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ» (مر١٦: ٩)

مَنْ هي مريم المجدلية هذه؟ نحن نلقاها للمرة الأولى بين “الكثيرات” من النساء الجليليات اللواتي تبعن الرب، واللواتي قيل عنهن هذا التعبير الجميل: «كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ»، وكانت لهن أسباب كثيرة ليخدمنه؛ أفلم يقل عنهن: «كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ»؟ وكان لمريم المجدلية سبب خاص، حيث ذُكر مرتين أن الرب أخرج منها «سَبْعَةُ شَيَاطِينَ» (مر١٦: ٩؛ لو٨: ١-٣). وحيث إن رئيس سلطان الهواء كان قد أمسك بها بالكامل في قبضته، فلا غرابة أنها كرست نفسها - بكل جوارحها - لمن حررها من هذه العبودية القاسية.

وكما ذُكر في الفصل السابق، ما أجمل ما روته الأناجيل عن موقف وخدمة هؤلاء النساء المكرسات. ونحن نلاحظ ملاحظة استثنائية عن واحدة منهن هي مريم التي من بيت عنيا، والتي لم تُذكر في قصة القيامة. ولكن في إخلاصها وفهمها لربنا يسوع المسيح جعلها أكثر تقدمًا عن الأخريات. وحقًا هي الوحيدة التي قدَّمت الإكرام مُقَدَّمًا لجسد الرب المقدس، الذي جعل الجميع يذكرونها فيما بعد. فهي قد سبقت ودهنت بالطيب جسده قبل الدفن (مر١٤: ٩)، وحينما جاءت النساء الأخريات إلى القبر، لدهن جسد الرب بالأطياب والحنوط، كان ذلك متأخرًا جدًا، فقد كان قد قام، وأصبح القبر خاليًا.

كانت مريم المجدلية بلا شك بين تلك النساء اللاتي تأخرن، ولكن كان إخلاصها عميقًا لسيدها. ونحتاج لأن نقتفي أثر خطواتها في تلك الأيام المصيرية، لنصور إخلاصها العميق. فأولاً نجدها عند الصليب، وضمن مَن تبعن جسد الرب إلى القبر لينظرن القبر «وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ» (لو٢٣: ٥٥). ثم نجدها عند المدينة مع النساء الأخريات وقد اشترين حنوطًا وأطيابًا أضفنها لتلك التي أعددنها من قبل (لو٢٣: ٥٦؛ مر١٦: ١). ونراها وقد أسرعت قبل الأخريات عند عودتها للقبر حيث وُضع سيدها.

ونلتقط من القصة هذه النقطة التي وردت في إنجيل يوحنا ٢٠: ١ «وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظّلاَمُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ». النساء الأخريات جئن عندما طلعت الشمس (مر١٦: ٢)، أما مريم المجدلية فقد جاءت «وَالظّلاَمُ بَاقٍ»، فلم تخجل من أن تسير بالليل في هذا الطريق الخطر المُثير للمتاعب، الذي يقود إلى خارج المدينة. وحقًا عندما رأت الحجر قد دُحرِج، والقبر خالٍ، تركت النساء الأخريات خلفها، واللائي - كما يبدو - قد ظهرن في المشهد في الوقت المناسب، وعادت على عقبيها في كل الطريق، ورجعت راكضة إلى المدينة، حيث أخبرت التلميذين اللذين كانا هما الأقرب للرب بذاك الألم الذي حلَّ بقلبها لأجل ما شهدت. ونستبين ذلك الإحساس الحزين الذي حل بقلبها من تلك الكلمات المُحملة بالأسى: «أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!» (يو٢٠: ٢).

كانت مريم، مثل التلميذين والنساء الأخريات، “تطلب الحي بين الأموات”. وكان هذا دالاً على أنهم جميعًا يجهلون ما قاله الرب لهم. ولكن في حالة مريم بالذات، انقشع نقص الفهم بلمعان النور على مشاعر قلبها «فَمَضَى التِّلْمِيذَانِ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِهِمَا. أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي» (يو٢٠: ١٠، ١١). يا لموقفها الجميل الفريد! إنها مريم المجدلية. وكما قال شارح آخر: “مع أنها كانت جاهلة تمامًا بما يجرى، فما كانت تعلم أن المسيح قد قام، ولم تكن تدري أين سيدها وإلهها، حتى إنها ظنت أن شخصًا أخذ جسده. ومع ذلك فإن المسيح كان حقًا كل شيء لها. هو كل ما يتوق إليه قلبها ويحتاجه. فبدونه لا بيت لها ولا سيد. وبكلمة واحدة: لا شيء.

أيها القارئ العزيز: ألا تُخجِّلنا هذه الشخصية التي أظهرت مثل هذا الإخلاص والتكريس لربنا الذي أحبنا بهذا المقدار؟ قد نعرف أشياء أكثر عظمة ومجدًا مما عرفته مريم، ولكن أليست قلوبنا باردة وميتة وضئيلة الإحساس نحو سيدنا الذي وهبنا أشياء عظيمة ومجيدة ببذل نفسه لأجلنا؟ قد نقضي ساعات، بل وربما أيام بدون شركة واعية معه! بل وربما غير مدركين بلا مبالاتنا نحوه! دعنا نكرر القول: كم هو مخجل لنا أن نرى مريم المجدلية؛ كانت الأولى عند القبر، في الصباح الباكر، يوم القيامة. وعندما مضى الآخرون كل إلى موضعه، بقيت هي تذرف الدموع، لأنها لم تعرف أين أخذوا سيدها، وأين وضعوه. وبعد قليل جدًا كان لا بد أن ترى الرب نفسه خلال نفس الدموع؛ ليس فقط جسده، ولكن الرب نفسه، الحيّ من بين الأموات.

أما التلميذان وبقية النساء جميعهن فقد تركوا القبر الفارغ، وبقيت مريم المجدلية وحدها «وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي» (يو٢٠: ١١).

هل أخطأت فيما رأته سابقًا بنظرة سريعة واحدة للقبر؟ هل كان هناك إشارة أو دليل لما حدث لسَيِّدنا؟ ولكن أيًّا ما كان قد دفعها لذلك، فإنها الآن «وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ» (يو٢٠: ١١)، واستوقف عينيها أنها رأت «مَنْظَرَ مَلاَئِكَةٍ» (لو٢٤: ٢٣)، وهي حادثة ذُكرت في كلا الإنجيلين. وهذان الملاكان اللذان «بِثِيَابٍ بِيض» كانا «جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا» (يو٢٠: ١٢).

وهذه الكائنات العجيبة فوق الطبيعية كان منظرها “كَالْبَرْقِ”، حتى “ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ” من الخوف (مت٢٨: ٤). أما النساء الأخريات فقد “انْدَهَشْنَ”، وأصبحن “محتارات وارتعبن”، «فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ» (مر١٦: ٥، ٨؛ لو٢٤: ٤)، ولكن لا نقرأ مثل ذلك بالنسبة لمريم المجدلية، فأي شيء آخر أصبح بلا مغزى في مواجهة حزنها العميق الذي خيم على قلبها، ولهذا فقد كان أول سؤال وجهه لها الملاك، وفيما بعد وجهه الرب، بخصوص سبب حزنها: «يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟» (يو٢٠: ١٣، ١٥).

«فَقَالاَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ قَالَتْ لَهُمَا: إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!» (يو٢٠: ١٣). كانت كلماتها بالمثل للملاك ولبطرس وللتلاميذ الآخرين، وفيما بعد لمن ظنت أنه البستاني، وقالت لهم جميعًا نفس المعنى: «إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي»؛ إنه سَيِّدها الذي حررها من السبعة شياطين، والذي ملأ حياتها بمعنى جديد طوال هذه السنوات الثلاث الماضية. إنه السَيِّد الوحيد الذي لها، والذي ليس لها سواه، وهو الكل لها. ألم تضعه أيادٍ مُحبَّة في القبر بعد هذا الموت المخزي المُشين؟ وأما الآن فأعداؤه خدام الشيطان أيًا كانوا قد أخذوه لكي يجعلوا مستحيلاً لها أن تكون معه. ومع أنها لن تستطيع أن تظل طويلاً معه، ولكنها فقط تريد أن تكون مع جثته الفاقدة للحياة.

ولم نقرأ شيئًا هنا عن أن الملاكين أجابا على مريم كما أجابا على النساء الأخريات، لأن شخصًا آخر جاء في المشهد ليُجاوب على حزنها وألمها؛ إنه يسوع نفسه، رب هذين الخادمين، واقترب منها، بينما لزم الملاكان صمت التوقير والاحترام في حضوره. وهل كان ممكنًا أن يفعل شيئًا سوى هذه الاستجابة بحضوره لهذه المُحبَّة المُشتاقة؟ «وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ»، وهكذا أصبح واضحًا بجلاء أنها لم تعد وحدها «فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ» (يو٢٠: ١٤).

لم تستطع عيناها الممتلئتان بالدموع أن تتعرف عليه على الفور. لقد كانت بغير وعي تبحث عنه بين الأموات. ومن المؤكد أن هذه كانت مشاعر إنسانية وأشواق ما زال يلفها عدم الإدراك، ولكن موضوع قلبها كان هو الرب يسوع. وليت هذه كانت القضية بالنسبة لنا فقط. فنحن نعرف كثيرًا ونفتخر بفهمنا الصحيح وبعملنا وإخلاصنا في المكان الذي وضعنا الله فيه. ولكن ماذا عن عواطفنا نحو الرب؟ هل يسوع هو الرب، وهو الوحيد الذي نريد أن نعيش من أجله؟ هل أشواقنا ورغبتنا مركزة على شخصه الكريم؟

أليس أمرًا يلمس القلب أن نرى الرب المُقام يظهر أولاً قبل الكل لهذه المرأة؟ وقبل أن تتحقَّق هي من ظهوره، إذ به واقف بجانبها. لم يترك الأمر للملائكة أن يُخبروها بقيامته، مثلما حدث للنساء الأخريات. لقد بدأ إجابته على أسئلتها التي من قلبها بسؤال لها: «يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟» (يو٢٠: ١٥). كانت رغبة الرب من مريم (مثلما الأمر معنا) أن تتعلم أن تُعبّر عن تكريسها له في حضوره.

وحدث هذا ثانية بطريقة فردية جميلة. فهي قالت له ظانة “أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ”: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ» (يو٢٠: ١٥). لم تذكر اسمًا، ولكنها أشارت إليه بضمير الغائب، مُعتبرة أن الأمر مُسلَّم به أن كل واحد يعلم عمن هي تتكلم. وتقول مؤكدة: «وَأَنَا آخُذُهُ»، ناسية أنها امرأة ضعيفة البدن غير قادرة أن تفعل ذلك.

هذه المحبة هي التي تُحرك قلب الرب. فهو الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف، وها عندئذٍ “يأخُذَهَا أَيْضًا” (يو١٠: ١٧، ١٨). والآن «يَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ» (يو١٠: ٣). ورغم أنها لم تكن قد التفتت إليه إلا أنها تعرَّفت على الفور على صوته المعروف والمألوف لها إذ سمعت صوته في أعماق قلبها «قَالَ لَهَا يَسُوعُ: يَا مَرْيَمُ. فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: رَبُّونِي! (بالعبرية)، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ» (يو٢٠: ١٦). وفي الوقت نفسه - وهل كان يُمكن أن تفعل غير ذلك؟ - وقعت عند قدميه لتمسكهما لأنها لن تَدَعه يمضي عنها قط.

ولكن هذا لم يكن ليحدث. فلم يكن قد آن الأوان لأن “يَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ” (أع١: ٦)، وأن يسكن جسديًا مع شعبه على الأرض. فكلماته «آتِي أَيْضًا» كان لها أفق أوسع ومعنى أكثر عمقًا. فالفداء قد أكمل شيئًا أعظم جدًا: أن يُعد مكانًا مضمونًا للمفديين في المنازل الكثيرة في بيت الآب في السماء (يو١٤: ١-٣). ولهذا قال لها: «لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي» (يو٢٠: ١٧). فالرب المُقام لا بد أن يأخذ مكانه عن يمين الآب.

هذه هي التلميذة العزيزة التي كانت تنقصها المعرفة، ولكنها اشتاقت بعمق لربها وسيدها، وأصبحت أولى مَن «أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ (قاطعة)» (أع١: ٣). وأكثر من ذلك كانت هي أيضًا الأولى التي ائتمنها الرب على سر المركز الجديد المجيد الذي ربحه لخاصته «وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ» (يو٢٠: ١٧).

ليتنا لا ننسى ذلك الشخص الذي ائتمن إليه الرب أولاً هذه الأخبار السارة، ولا لماذا قد اختارها لتفعل ذلك. وهكذا غادرت مريم القبر الفارغ بقلب مفعم بالسرور، بدلاً مما كانت فيه مريم المحزونة من أسى وألم، عندما كانت تبحث عن سَيِّدها. والآن «جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هَذَا» (يو٢٠: ١٨).

(يتبع)