أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يناير السنة 2016
مجيء ربنا يسوع المسيح الثاني
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

(يو١٤: ١-٦؛ ١تس٤: ١٣-١٨)

مجيء الرب - يا له موضوعًا هائلاً! إنه ليس مجرد فكرة موجودة في مكان ما على صفحات الوحي، بل هو موضوع بارز من التكوين إلى الرؤيا. ففي العهد القديم نجد العديد من الإشارات المباشرة له، بل والصور الرمزية أحيانًا، كما نجده يملأ العهد الجديد في الكثير والكثير من الفصول الكتابية. لذلك نؤكد مرة أخرى أنه موضوع أساسي في الوحي، بل هو الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة لنا في أواخر هذا التدبير العظيم، تدبير النعمة.

في بداية حديثنا يجب أن نوضح أمرًا وهو أن الوحي يُمَيِّز بوضوح بين جانبين بخصوص هذا الموضوع. مجيء الرب الذي ينتظره المؤمنون اليوم، ليأخذ خاصته من هذا المشهد لنفسه، ومجيئه بعد ذلك ليُطَهِّر الأرض بالدينونة قبل أن يقيم ملكوت بِرّه. إنه من الضروري جدًا لفهم هذا الحق عن مجيء المسيح أن نُمَيِّز بين هذين الجانبين، وإلا وقعنا في تشويش ليس بقليل.

ولكي نرى هذا الأمر بوضوح من خلال الوحي علينا أن نمر على عدد من الفصول الكتابية:

أولاً: تكوين ٥: ٢٢-٢٤ «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَخْنُوخَ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ». تأمل الكلمات الثلاث الأخيرة «لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ». في عبرانيين ١١: ٥ نقرأ عن نفس القصة أن الله نقل أخنوخ لكيلا يرى الموت. إذًا فالتعبير في التكوين يعني أن أخنوخ نُقل إلى محضر الله، ولم يرَ الموت. إن هذا صورة لمجيء المسيح للكنيسة، حيث إن أخنوخ يرمز للكنيسة، وقد أُخذ من هذا العالم الشرير ليكون مع المسيح.

ثانيًا: متى ٢٤: ٣٧-٣٩ «وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. لأَنَّهُ كَمَا كَانُوا فِي الأَيَّامِ الَّتِي قَبْلَ الطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَ الْجَمِيعَ، كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ». هنا نجد قصة أخرى من العهد القديم وهي صورة للدينونة الآتية على العالم الشرير. جميع هؤلاء الذين كانوا في الفلك، نوح وعائلته، كانوا آمنين. بينما جميع الذين أُخذوا، أُخذوا بالدينونة. هذا عكس ما حدث مع أخنوخ تمامًا، الذي أُخذ ليكون مع الله.

إن تعامل الله مع هذين الرجلين يشرح لنا جانبي مجيء الرب. وإذا ترسخ هذان المفهومان في أذهاننا - وهذا ما أرجوه - ننتقل للتأمل في الأعداد الأولى من إنجيل يوحنا والأصحاح الرابع عشر. إن مجيء الرب يسوع المسيح لخاصته - لكنيسته - لا يعتمد على أية أحداث في هذا العالم. لكنه يعتمد فقط على كلمات الرب نفسه: «آتِي أَيْضًا» (يو١٤: ٣). وبهذا الخصوص هناك أمران مستحيلان: أن الرب يسوع يكذب أو يخدع أحباءه، أو أن هناك ما يعيقه عن تنفيذ رغبته. ولذلك فنحن لدينا الثقة الكاملة أن كلمات الرب يسوع ستتم، وأن كل ما أشار إليه هنا سيتحقق.

مَن هم هؤلاء الذين سيأتي الرب يسوع لأجلهم؟ لاحظ في العدد الأول «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي» (يو١٤: ١). إنه يقول للتلاميذ، “نعم، أنتم تؤمنون بالله - هذا بالارتباط بإيمانهم اليهودي بكل ما أوحى به لموسى - لكني أريد أن تؤمنوا بي. لقد بزغ فجر جديد، وجميع الذين آمنوا وارتبطوا بي، هم الذين سوف آتي إليهم وآخذهم معي”. فالذين سوف يأتي الرب يسوع إليهم هم الذين يؤمنون أنه هو الله الظاهر في الجسد، وأنه ابن الله، وهو الخالق. الذين يؤمنون بموته، وقيامته، وصعوده المجيد ليمين الله. وهكذا قطع هذا الوعد الرائع لأحبائه «آتِي أَيْضًا».

منذ حوالي مئتي عامًا، تم استعادة هذا الحق العظيم من بين الكثير من الأفكار الخرافية والخاطئة، وتم التعليم به بوضوح. لم يكن حقًا مجردًا لتتم المصادقة عليه لكي يوضع في موسوعة المعارف الكتابية. فعندما قبل الأخوة هذا الحق بكل كماله وقوته أحدث تغييرًا واضحًا في حياتهم، فانفصلوا عن العالم وعن كل شره، بل وعن التشويش الكنسي أيضًا، واجتمعوا معًا في بساطة إلى اسم الرب يسوع ليسجدوا له وليعبدوه. كان مجيء الرب حقيقة مجيدة كما نرى في المثل الذي قاله الرب عن الخدام الذين ينتظرون سيدهم (لو١٢: ٣٥-٤٠)؛ متيقظين، ساهرين، خادمين، منتظرين في كامل الاستعداد. هل هذا هو الحال معنا؟ علينا أن نعترف أنه كم يسهل علينا أحيانًا أن ننسى أن الرب آتٍ. ويا للعار أن نكون متورطين في أمر شرير وعندها نسمع فجأة هتاف الرب يجمعنا من هذا العالم! ولذلك فمجيء الرب ليس تعليمًا لنُعجَب به فقط، لكنه أمر يجب أن يكون له تأثير على حياتنا يومًا فيومًا.

يقول الرب «فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلَّا فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا» (يو١٤: ٢). نعلم أنه كان هناك شعور بالخوف ارتبط ببيت يهوه. ففي الخيمة كما في الهيكل وُجدَت حجرات مختلفة، بينما رجل واحد فقط يستطيع أن يدخل إلى قدس الأقداس مرة واحدة في السنة. لكن بيت الآب يختلف. ربما يعطينا لوقا ١٥ بعض الفهم لهذا الأمر عندما رجع الابن ليتمتع بكل ما هنالك من دفء وطعام، بل ومحضر الأب ومحبته أيضًا. فهناك تعليم أساسي في العهد الجديد يُخبرنا أن جميع المؤمنين في الرب يسوع المسيح هم أولاد الله، ولهم الامتياز الكامل أن يكونوا في بيت الآب. إذ إنهم لن يكونوا غير لائقين لهذا البيت، بل سيكونون في تمام التوافق معه. هذا هو مآل كل مؤمن حقيقي بالرب يسوع المسيح. يا له من حق لتشجيعنا في هذه الأيام التي نعيشها! هل نتذكر المثل الذي قاله الرب يسوع عن الرجل الذي دخل إلى عرس ابن الملك ولم يكن لابسًا لباس العرس (مت٢٢: ١-١٤)، وكيف أنه طُرد من العرس لينال عقابه؟ لكن هذا لن يحدث للمؤمنين الحقيقيين لأنهم سيكونون هناك في كل قيمة الخليقة الجديدة، وما عمله الله فيهم، بربنا يسوع المسيح وقوة الروح القدس. ربما علينا أن نعترف أننا مسيحيون ضعفاء في شهادتنا، وأحيانًا نفشل، فليس هناك ما يُمكننا أن نفخر أو نتغنى به. إنه أمر يجب أن نتوب وأن نشعر بالخزي بسببه. لكن هذا ليس له علاقة بأمر ذهابنا إلى محضر الآب ومحضر المسيح. كل هذا سيختفي للأبد، عندما يأخذنا الرب يسوع إلى نفسه.

يقول الرب لتلاميذه ما معناه: “أذهب لأعد مكانًا خصيصًا لكم أنتم مَن تؤمنون بي، وآتي أيضًا، وبهذا تكونون معي هناك”. أليس هذا رائعًا! أي نوع من الإعداد هذا؟ أهو قصر خاص به أثاث جميل أكثر زخرفة وروعة من أي قصر آخر؟ لا نعتقد أن هذا هو المقصود هنا. الإعداد هو أن الرب يسوع نفسه يكون في محضر الله كإنسان. كيفما كانت الصورة التي كان عليها أخنوخ وإيليا عندما صعدا إلى المجد، فبالتأكيد لم يكونا في الحالة الطبيعية التي عرفاها على الأرض، فالدم واللحم لا يرثان ملكوت الله. لكن الرب يسوع دخل إلى محضر الله، إنسانًا حيًا بدون دمه. لقد قال لخاصته: «إِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لي» (لو٢٤: ٣٩). إنسان حي، صاعد من وسط تلاميذه، ذاهب إلى محضر الآب، هذا هو الإعداد. بل وهو الضمان أن الرجال والنساء مُرَحَب بهم كما هو مُرَحَب به في محضر الآب وفي بيته. ذهب ليقول: «حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يو١٤: ٣).

عندما نقرأ في الكتاب نجد بعض الحوادث العجيبة قد حدثت. فربما كنا نحب أن نكون على شاطئ البحر الأحمر عندما عبر فيه بنو إسرائيل، أو بجوار إيليا عندما صب أجران الماء على الذبائح، لنشهد كيف لحستها النيران كلها مع الذبائح أيضًا، بالمقابلة مع فشل البعل الصريح أن يفعله. ربما كنا نحب أن نعاين الآيات الرائعة التي عملها الرب يسوع، فما أروع مشاهدة قوة الله تعمل! لكن هذا هو الأعظم من الكل: «حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا». في يوحنا ١٧: ٢٤ صلى الرب يسوع للآب «أَيُّهَا الْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي». يا له من أمر بديع أن نكون في حضرة فادينا ومخلِّصنا بطول الأبدية، لنتأمل مجده في كل تفوقه! فهو أعظم بما لا يقاس من كل الذين سلكوا الطريق ذاته!

ثم يستطرد قائلاً: «وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ. قَالَ لَهُ تُومَا: يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي» (يو١٤: ٤-٦). ربما تُستخدم هذه الأعداد كثيرًا للكرازة بالإنجيل، ولا أحد يستنكر هذا للحظة، لكن سياق الكلام هنا ليس بغرض الكرازة، بل بغرض إظهار أن الرب يسوع هو الطريق لحضرة الآب. هو الحق وهو صاحب السلطان في بيت الآب، وحياته هي حياتنا في بيت الآب. فهي تشير بشكل خاص إلى مجيئه ثانية.

الآن ننتقل إلى تسالونيكي الأولى والأصحاح الرابع. عندما بشَّر بولس ورفاقه في تسالونيكي لاقوا مقاومة شديدة لأنفسهم. كان هذا بسبب أنهم - وفقًا للمقاومين - بشروا بملك آخر، الرب يسوع. وكانت تسالونيكي تحت حكم إمبراطور روما، وأي كلام عن ملك آخر يأتي، يُعَد أسوأ نوع ممكن من الخيانة. ولهذا اضطر بولس إلى المغادرة بسبب الاضطهاد، ولكن بعضًا ممن آمنوا بكلام بولس ماتوا تحت الاضطهاد. وبينما هو بينهم كان قد أشار أن كل من يؤمن بالرب يسوع المسيح له نصيب في الملكوت حيًا. لذلك كتبت إليه الكنيسة هناك تسأل: “ماذا سيحدث للمؤمنين الذين ماتوا؟ كنت قد قلت لنا إن كل من يؤمن له نصيب في ملكوت ربنا يسوع، ولكن ماذا عن الذين قد ماتوا؟” وهذه الفقرة من تسالونيكي الأولى ٤ توضح أن الذين ماتوا لهم نصيب متميز ومؤكد في الملكوت. نبدأ من عدد ١٣ «ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ»؛ يتكلم بولس عن هؤلاء المؤمنين الذين قد ماتوا؛ الذين رقدوا بالرب يسوع. وعندما يتكلَّم الكتاب عن المؤمنين أنهم رقدوا، فهو يشير دائمًا إلى الجسد. فليس هناك مثل هذا الفكر في الكتاب، أن الروح أو النفس ترقد بالموت. كان هناك هؤلاء الذين رقدوا في تسالونيكي منتظرين الهتاف الذي يوقظهم ليأخذهم ليكونوا مع المسيح، ولكن أرواحهم كانت مع المسيح بالفعل. كما يقول بولس «أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في١: ٢٣). ولاحظ أنه يقول عن الذين يحزنون منا إنه لا يجب أن يحزنوا «كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ». عزيزي القارئ إن كنت لم تؤمن بعد، نقول لك آمن بالرب يسوع المسيح، لأنك إلى هذه اللحظة لا رجاء لك، وإذا لم تؤمن وأتى الرب يسوع ففرصتك ستذهب وإلى الأبد. يا له من أمر مريع أن تكون بلا رجاء!

يستطرد بولس قائلاً: «لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ» (ع١٤). بولس لا يقول إنه إن كنا نؤمن أن يسوع قد مات وقام فنكون قد خلصنا وأننا سنذهب لنكون معه عند مجيئه، بل القضية هنا أن يسوع قد مات وقام من الأموات، فلو مات المؤمنون سيقومون من الأموات. هذا هو ضمان وانتصار الإيمان بموت وقيامة الرب يسوع المسيح.

متى سيُحضِر الله هؤلاء القديسين مع المسيح؟ هذا هو ما يُسمى ظهور ربنا يسوع المسيح، عندما يظهر معه كل الذين ماتوا في المسيح حتى لحظة الاختطاف السعيدة عندما يظهر المسيح بالمجد. يقول بولس: “لكني أريد أن أوضح كيف سيصير كل هذا”؛ «فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ (الأموات في المسيح). لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ» (ع١٥-١٧). فهناك الراقدون بيسوع؛ أرواحهم مع المسيح، وأجسادهم ترقد في القبر. فالرب نفسه سوف ينزل بهتاف، وهذا الهتاف سيُميّزه كل مؤمن حقيقي بالرب. لا يهم إلى أية أمة كانوا ينتمون، ولا أية لغة كانوا يتكلَّمون، كل مؤمن سوف يُميِّز هذا الهتاف وسيذهب ليكون مع المسيح. إنه صوت الرب، ابن الله، الذي سيجمع شعبه من كل أرجاء المسكونة. كل المؤمنين الحقيقيين الذين غُفرت خطاياهم واغتسلوا بدم المسيح سوف يُجمَعون معًا.

يقول أيضًا: «بِصَوتِ رَئِيسِ مَلَائِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ»؛ نحن نعلم أن بولس يستخدم صورة مأخوذة من معسكرات الجيش الروماني. فالجنود نائمون لكن فجأة يصير الهتاف لكي يستيقظوا، يلي ذلك “صوت رئيس الملائكة”، الذي هو إشارة للجنود ليَجْمَعوا عُدَّتهم استعدادًا للرحيل. وأخيرًا عندما يضرب البوق يرتحلون. هذه الصورة تشرح لنا كيفية الانتقال من معسكر لآخر، لكن في حالتنا نحن الانتقال سيكون إلى نهاية المسير. يستخدم بولس هذه الصورة الرائعة عن هتاف وصوت وبوق ليرينا كيف أن هؤلاء الذين على الأرض - القديسين الذين ماتوا والقديسين الأحياء - سوف يُجمعون معًا. كثيرون يعتقدون أن الأحياء سيكون لهم الأسبقية، لكن هذا ليس صحيحًا، فبولس يخبرنا أن «الْأَمْوَاتَ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا».

في إنجيل يوحنا والأصحاح الخامس نقرأ عن هؤلاء الذين في القبور، أنهم سيسمعون صوت ابن الله وسيخرجون منه. الآن في ذات تلك اللحظة نفسها يمكن أن يصير هذا. فليس هناك أية إشارة أن هذا الأمر سيحدث في سنة معينة، في شهر معين، في توقيت معين، بل إنه متروك لإرادة الله. أنا أومن أن هذا كله سيصير عندما تكتمل الكنيسة، وتكون جاهزة للانتقال إلى السماء، وهذا أمر رائع. فكّر في كل القديسين الذين وُضعوا في القبور، البعض مؤخرًا، والبعض منذ قرون كثيرة جدًا، والبعض أحرقت أجسادهم وتحولت إلى رماد مذرى، والآن في قوة إلهية سيجمعهم الرب معًا ويخرجهم من القبر. أجسادهم التي رقدت في القبر ستقوم، نقرأ عن هذا في ١كورنثوس ١٥. وهكذا نجد هنا الأمر الأروع، أننا جميعًا سوف نُخطف في الهواء لنقابل الرب يسوع المسيح هناك. ثم يقول الرسول «وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ». هؤلاء الذين كانوا في القبر قد قاموا، وأولئك الأحياء على الأرض تغيروا، واختطفوا جميعًا لملاقاة الرب في الهواء. الآن يمكننا أن نفهم لماذا قال بولس: «فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ» (ع١٤)، عندما يأتي وقت الظهور سيكونون جميعًا معه.

هناك فترة زمنية حوالي سبع سنين تفصل بين الاختطاف الذي نقرأ عنه هنا في ١تسالونيكي ٤، والظهور الذي سيحدث عندما يأتي الرب ليتسلط على الأرض ويطهرها من المعاثر قبل أن يقيم ملكوته. وهؤلاء الذين اشتركوا في هذا الاستعراض الرائع للقوة الإلهية في الإقامة من الموت، وتغيير الأجساد، واختطافهم جميعًا لملاقاة الرب في الهواء، هم أنفسهم الذين سيظهرون مع الرب عندما يقيم ملكوته. لذلك يقول بولس “تشجعوا”. فإخوتكم الذين ماتوا لهم نصيب في الملكوت، إذ سيظهرون مع المسيح عندما يقيم ملكوته. فلا عجب أن يقول الرسول «لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهَذَا الْكَلَامِ» (ع١٨). فيُمكنهم أن يتعزوا أن أحباءهم لن يفقدوا أي شيء، بل على العكس إنهم - من منظور آخر- فازوا بشيء. فهم منذ الآن في حضرة الله بالروح، قبل أن نذهب نحن بكثير.

ربما يقول قائل: “كيف يمكن أن يكون هذا؟ أليس في هذا شيء من الخيال؟” اسمع إلى ما يقوله بولس في عدد ١٥: «فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ». إنها ليست فكرة غريبة سيطرت بطريقة ما على عقل بولس، بل هو إعلان مباشر من الرب يسوع المسيح نفسه. وإذا استمعنا لكلمات المعلم نفسه الواضحة في يوحنا ١٤ «آتِي أَيْضًا»، فها نحن نسمع ذات الكلمات ثانية من خادمه الرسول بولس. لهذا نحن لدينا اليقين الكامل أن ما قاله بولس هنا سيحدث بحذافيره. قديسون كثيرون عاشوا حياتهم منتظرين ومتطلعين في شوق لمجيء الرب. ودعنا نقول ثانية إنه إذا كنت عزيزي القارئ لم تثق بعد في الرب يسوع المسيح كمخلص شخصي لك، نرجوك أن تقبله الآن. فظهور الرب يسوع المسيح للقضاء سيكون مخيفًا ومرعبًا ومهولاً لهؤلاء الذين لم يؤمنوا. هذه هي كلمات الوحي في ٢تسالونيكي ١: ٨ «فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ». نحن نثق أنه لا أحد منا سيكون في هذا الوضع المريع، لكنك يجب أن تقبل الرب يسوع المسيح كمخلص شخصي لك الآن في يوم النعمة، لتكون من أولئك الذين ينتظرون بتواضع مترقبين ومشتاقين لمجيء الرب. لعلنا نتشجع من أجل اسمه.

(يتبع)

فرانك ولاس