أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد مايو السنة 2015
قراءة ما بين السطور
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

في هذه الدراسة نحن نطبق سفر النشيد على تاريخ الأمة من بدايته وحتى نهايته. والسفر يقسمه معظم الشارحين إلى ستة أقسام، وهو نفس ما قمنا به في هذه الدراسة. وعرفنا مما سبق أن الثلاثة الأقسام الأولى من هذا السفر تحدثنا عن تاريخ الشعب في الماضي، وانتهت بمجيء المسيا إليهم، ورفضه منهم، والثلاثة الأقسام الأخيرة تتحدث عما سيحدث لهم في المستقبل: الضيقة العظيمة، ثم ظهور المسيح، وأخيرًا تأسيس الملك. ونواصل في هذا العدد حديثنا من حيث انتهينا.

القسم الخامس نشيد ٦: ١٣ إلى ٨: ٤

الحقبة الزمنية الخامسة:

من ظهور المَلِك إلى تأسيس مُلكه

هذا القسم من سفر النشيد يحدثنا عن حقبة قصيرة في أيامها، هي أقصر من كل الفترات السابقة، بما فيها الفترة الثالثة، فترة وجود المسيا بالجسد مع التلاميذ؛ ولكنها مجيدة حقًا، وقد طال انتظار الأتقياء لها. إنها الفترة من ظهور المسيح لحين تأسيس مُلْكِه المنظور والعلني على كل الأرض، والتي نفهم من دانيآل ١٢ أنها عبارة عن ٧٥ يومًا. في سفر النشيد نحن لا نرى الجانب الحربي لهذه الفترة (مثل ما نجده في المزامير والنبوات)، بل الجانب الحبي. فالنبوات بصفة عامة تتحدث عن الجانب الحربي، حيث سيبيد الرب كل الأعداء، وتتحدث أيضًا عن الجانب المدني، حيث سيُرتب الرب الأوضاع بما يتناسب مع مُلْكِه العظيم، أما هنا فنجد التدريبات الحبية، ونجد العواطف والأشواق، وذلك بحسب طابع هذا السفر.

في الجزء الأول من هذا القسم لا نكاد نسمع صوت المحبوبة، التي هي بعينها القوم الشريف، أو “عميناداب”، أي شعبي المنتدب (٦: ١٢)، بل نسمع فيه صوت الأصحاب وصوت الحبيب. لكننا سنستمع إلى صوتها في الجزء الثاني من هذا القسم، حيث ستقود حبيبها إلى الحقول في الخارج، وهناك تعطيه حبها، كما ستقوده إلى حجرة من ولدتها في الداخل، وهناك تسقيه من سلاف رمانها. والمعنى الروحي لذلك أنها ستهتم بالنفوس في الخارج وبالسجود في الداخل، وهي إشارة إلى اهتمامها بالأسباط الإني عشر، المشتتين في الأرض، والذين لم يعودوا إلى الأرض طوال فترة الضيقة العظيمة، كما أنها تفيد أن الهيكل سيبنيه الرب، بدل الهيكل الذي تدنس برجسة الخراب، وهُدم بواسطة ملك الشمال. فالعروس سيكون لها الشهادة المؤثرة عن المسيح في العالم الفسيح، كما سيكون لها السجود المشبع لقلبه في هيكله.

اسم العروس يذكر للمرة الأولى

يبدأ هذا القسم بالمرة الوحيدة التي يُسجِّل لنا سفر النشيد اسم المحبوبة: “شولميث”. الاسم المستمد من سليمان، والذي يعني رجل السلام. ولأننا من الكتاب المقدس نتعلم أن الزوجة تأخذ اسم زوجها (تك٢: ٢٣)، فهذا يعني أن العروس هنا اقترنت بعريسها، فأخذت اسمه، وصارت واحدًا معه (قارن مع إرميا ٢٣: ٦؛ ٣٣: ١٦).

لكن هناك جانب آخر نفهمه من هذا الاسم، فكم تمنى هذا الشعب السلام على مدى تاريخهم الطويل، بينما كانوا في الواقع أبعد ما يكون عنه. سيأتيهم السلام أخيرًا، لكن ليس قبل ظهور المسيح وقبولهم لشخصه. لقد كانت أمامهم الفرصة في مجيئه الأول أن يقبلوه فيحصلوا على السلام العجيب، ذاك الذي عند مولده سَبَّحت الملائكة قائلة: «المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة» (لو٢: ١٤)، لكنهم - بلغة المسيح في لوقا ١٩: ٤٢ - “لم يعرفوا ما هو لسلامهم”، وضاعت الفرصة عليهم. لكن في مجيء المسيح الثاني، بعد رجوعهم بالتوبة إليه وقبولهم إياه، سوف يتمتعون بالسلام الذي طالما حنوا إليه، عندما يتعرفوا على “رئيس السلام” (إش٩: ٦)، ويؤمنوا بعمله الكفاري عنهم، ويقولوا بحق: «تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا» (إش٥٣: ٥). فهو أولاً سيظهر لنصرتهم (مزمور ٤٥)؛ ومن ثم يمتعهم بالسلام (مزمور ٤٦).

صحيح هم - بحسب هذا السفر - سبق أن تمتعوا بمحبته لهم، ولكن ليس بالسلام بعد، فالتمتع بالسلام يتطلب معرفة الخلاص أولاً وامتلاكه، وهو ما لن يحدث مع هذا الشعب حتى ظهور الرب بالمجد والقوة، ونوحهم عليه بسبب خطاياهم، وسوء تعاملهم معه في مجيئه الأول.

ارجعي ارجعي .. فننظر إليك!

يبدأ هذا القسم بالنداء المزدوج: «ارجعي ارجعي» (٦: ١٣). لقد دعا إشعياء اسم ابنه “شآر يشوب” (إش٧: ٣)، ومعنى هذا الاسم هو “البقية سترجع”، وهو ما نراه هنا. فليس أن هناك رجوعًا لأفراد من هذا الشعب كما هو حادث الآن (رو١١: ١، ٢)، بل رجوعًا لبقية من هذا الشعب تمثل هذه الأمة، وذلك في نهاية الزمان (رو١١: ٢٦).

ومن تكرار النداء “ارجعي ارجعي” نفهم أنه رجوع مزدوج، فهو يقول: «ارجعي ارجعي يا شولميث. ارجعي ارجعي فننظر إليك». ذلك لأن رجوعهم هو أولاً رجوع إلى الرب، يتبعه رجوع إلى الأرض*.

وترى ما هي نوع نظرة الأصحاب في قولهم: «ارجعي ارجعي فننظر إليك» (٦: ١٣)؟ إنها ليست نظرة الشماتة، كما سيحدث في فترة الضيقة العظيمة، حيث ستتجمع كل الأمم لينظروا إلى تلك البقية المتألمة نظرات الشماتة، كقول النبي: «والآن قد اجتمعت عليك أمم كثيرة، الذين يقولون لتتدنس ولتتفرس عيوننا في صهيون» (مي٤: ١١). كلا، بل ستكون نظرة الرضا والإعجاب في آن معًا. والشيء عينه مع سيدهم ومسياهم، ففي مجيئه الأول، ولا سيما عندما كان معلقًا فوق الصليب، كان جميع الشعب واقفين ينظرون (لو٢٣: ٣٥)، ويقول الرب بروح النبوة: «كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه، وينغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به» (مز٢٢: ٧). لكن في مجيئه الثاني سينظر إليه الجميع نظرات الإعجاب، والخوف المقدس، والسجود، كقول النبي: «ينظر ملوك فيقومون، ورؤساء فيسجدون، لأجل الرب الذي هو أمين، وقدوس إسرائيل الذي اختارك» (إش٤٩: ٧).

مثل رقض صفين

ونقرأ هنا عن الرقص: “مثل رقص صفين”، فسيرتبط رجوعهم بالرقص. إن أول إشارة إلى الرقص في الكتاب ارتبطت بالخلاص على عهد موسى، وهو ما نقرأه في خروج ١٥: ٢٠، ٢١، فكم بالحري الخلاص النهائي والأعظم على يد رب موسى. ولقد حَوَّل داود نوح الشعب وعبوديتهم وذلهم إلى رقص لهم (١صم١٧؛ ١٨ انظر بصفة خاصة ١٨: ٦، ٧)، فكم بالحري سيفعل ابن داود في يوم مجده العتيد!

ويقال إن الكلمة العبرية المستخدمة هنا عن الرقص، مُسْتَمَدَّة من كلمة تُتَرْجَم يتلوى، وَتُسْتَخْدَم في تلوي الوالدة، أو تلوي الراقصة. والعجيب أنه سيحدث مع هذه البقية الأمرين في تتابع، والرب سيحول تلوي الوالدة، التي تشير إلى الآلام الرهيبة في فترة الضيقة العظيمة (إش٢٦: ١٨) إلى تلوي الراقصة (قارن مع إرميا ٣١: ١-٩، ولا سيما ع٤)، عندما يظهر للخلاص للذين ينتظرونه (عب٩: ٢٨)، كما نرى هنا.

وأما عبارة “صفين” في القول “مثل رقص صفين”، فهي بالعبري: “محنايم”. ونتذكر عندما التقى يعقوب الراجع إلى بيت إيل جيشين من الملائكة، أنه دعا اسم ذلك المكان “محنايم”: أي جيشين. وهذا له علاقة بما سنقرأ عنه هنا في وصف المحبوبة، فهم في يوم اقتبالهم سيُشْرِق الرب عليهم، ومجده عليهم يُرى (إش٦٠: ٢). ونقرأ في الأعداد التالية (٧: ١- ٥) عن عشرة عناصر للجمال ستضفيها النعمة عليهم، وهذا في مفارقة مع الناموس بوصاياه العشر الذي أظهر التشوه والقبح فيهم، ولكن على حساب المسيح سيتمتعون بالجمال.

ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الأمير!

يبدأ المدح بالإشارة إلى أنها بنت الكريم (أو بنت الأمير). إن يعقوب في “محنايم” عندما استقبله جيشان من الملائكة، غيَّر الله اسمه من يعقوب إلى “إسرائيل” أي “أمير الله”. مع هذا الفارق أن يعقوب قبل أن يصبح إسرائيل (أي أميرًا) صار “يخمع على فخذه”، وأما هذه الأميرة فإن أول ما يُمَيِّزها هو دوائر فخذيها التي مثل الحلي، صنعة يدي صناع (أو فنان). ودوائر الفخذين هي مفاصل حق الفخذ التي ينشأ عنها العرج أو السلوك القويم. والمعنى هنا أنها رائعة في مشيها. وهذه المفاصل توصف هنا بأنها “صنعة يدي صناع”، والفنان الماهر الحقيقي الذي علَّمنا السلوك المستقيم هو الروح القدس.

وأول شيء تم امتداحه في بنت الأمير هذه هو النعلان اللذان تنتعل بهما العروس. إنهم على مدى تاريخ رفضهم كانوا من الناحية الروحية حفاة، إذ بيعوا عبيدًا وصاروا أسرى. وفي ذلك الزمان كان العبيد والأسرى يسيرون حفاة (قارن مع إشعياء ٢٠: ٤)، أما الأحذية فهي للأبناء والأمراء (انظر لوقا ١٥: ٢٢). وهذا هو الحال مع بنت الأمير. سيُنْهي الرب أيام عبوديتهم وخزيهم، ويكسوهم تمامًا بالمجد. وكما تَمَيَّز الشعب الخارج من مصر قديمًا بأن كانت “أحذيتهم في أرجلهم” (خر١٢: ١١)، وهو عين ما قاله حزقيال ١٦: ١٠ “نعلتك بالتخس”، فإن الأمر سيتكرر مرة ثانية مع الشعب الراجع في آخر الأيام.

ملك قد أُسر بالخصل

والوصف الذي بدأ من أسفل (النعلين) انتهى بأعلى نقطة، وهي الرأس والشعر (ع٥). وعندها جاءت الإشارة: “ملك قد أُسِر بالخُصَل”. والخصل أو الشعر الطويل المسترسل ميَّز العريس أولاً (٥: ١١)، لكننا الآن نرى الأمر عينه مع العروس. هذه الخصل تحدثنا عن النذير. والنذير قد يكون رجلاً أو قد تكون امرأة. وفي الحالتين كان على النذير أن يرخي خصل شعره (عد٦)، صورة للتكريس. ولقد كان المسيح في يوم تَجَسُّده مُكَرَّسًا بتمامه لله، وسيكونون هم أيضًا في يوم قبولهم لربهم وفاديهم مكرسين بتمامهم للرب. وَتُقرر الآية السابقة أن هذا التكريس يأسر الملك!

والصورة هنا هي صورة عكسية لما حدث في يوحنا ٦، ففي بداية ذلك الفصل أرادوا خطف يسوع ليجعلوه ملكًا عليهم بالقوة. كأنهم أرادوا هم أن يأسروا ملكهم، وينصِّبوه عليهم رغم إرادته! ثم بعد ذلك، في آخر الأصحاح، تركوه ورجعوا عنه! يا لوَلائهم المُزَيَّف السطحي! ويا لإحسانهم الماضي باكرًا كندى الصباح! أما هنا فإن تكريس القوم الشريف له، وخضوعهم وحبهم لشخصه، سيجعله مضطرًا - إن جاز لنا استخدام هذا التعبير - لكي يرتقي العرش لكي يملك عليهم، أولئك الذين مَلَّكوه أولاً على عرش قلوبهم.

في مجيئه الأول تكريسه هو قاده إلى الصليب ليموت عنهم، وفي مجيئه الثاني فإنَّ تكريسهم وحبِّهم له سيقوده إلى العرش، ليملك عليهم!

(يتبع)

يوسف رياض