أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد نوفمبر السنة 2009
الاحتباس الحراري أو الحصاد المر - نظرة على الأحداث المعاصرة
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«انْتَهَى الصَّيْفُ وَنَحْنُ لَمْ نَخْلُصْ!» (إر8: 20).

 صرخة يأس تفوَّه بها إرميا في مرثاته على شعبه، وهو يتطلع إلى الخلاص من الغزو البابلي. ونحن ننطق مثلها، ولكن رغبتنا هي في الخلاص من هذا الصيف بقيظه الساخن، فمن منَّا لم يتحرَّق ولم يتصبَّب عرقًا، ومن منَّا لم يتمنَّ أن ينخلع من ملابسه، بل من بشرته الذاتية هربًا من قيظ حرارة هذه الأيام؟ مَنْ مِنَّا لم يستغرب تلعثم مناخ الأرض وتقلُّبه دون سابق إنذار بين قيظ قاسٍ وبرد قارص، بين فيضانات غامرة وموجات جفاف حارقة، بين أعاصير جامحة وحرائق غابات مهلكة؟ ومَنْ مِنا لم يتساءل: ماذا حدث في هذه الدنيا؟ وما أسباب انقلاب المناخ علينا بهذا الشكل المفاجئ؟!

التفسير العلمي الأوحد والأقرب لكل هذه الفوضى ولكل هذه العذابات، يتلخَّص في ظاهرة “الاحتباس الحراري”، أو احتباس الحرارة داخل الغلاف الجوي للأرض ومن ثم سخونة سطحه بصورة غير اعتيادية. وإن كنا نرى أيضًا تفسيرًا نبويًّا لهذه الظاهرة. فهذه الظاهرة وإن كانت جديدة على المجتمع البشري، فهي ليست بجديدة على كتابنا المقدس، الذي أشار إلى هذه الظاهرة في بعض الفصول، وهذا ليس بغريب لأنَّ ما نملكه بين أيدينا هو كتاب نبوي في المقام الأول (2بط1: 19)، والله أعلن لنا فيه عن كل شيء: «مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي» (إش46: 10).

وتتلخَّص أسباب هذه الظاهرة في ممارسات الإنسان السيئة المدمرة للبيئة - وهذه كارثة الإنسان الحقيقية أنه دمر البيئة الرائعة التي خلقها الله* - بممارسات سيئة، وأبرزها إزالة الغابات والمناطق الخضراء وتلويث البحار والمحيطات والإسراف في حرق النفط، وبناء على ذلك فقد تحوَّلت النعم الصالحة من يد الله إلى نقم طالحة بيد الإنسان، الذي تجاهل نواميس الله وقوانينه في الخليقة، وأطاح بها فانقلبت الخليقة عليه، ليحصد ما زرعته يداه على مر السنين – ويا له من حصاد مر- سيدفع ثمنه الجيل الحالي وليس الأجيال القادمة، لأنه بحسب رأي العلماء ستتعثَّر الحياة على الأرض مع تفاقم هذه الظاهرة وتداعياتها المدمرة في غضون 100 عام فقط.

 إن الإنسان هو تاج خليقة الله وقد أقامه على أعمال يديه، ليعملها ويحفظها (تك2: 15)، ولكن بعد دخول الخطية، فسد كيان الإنسان وأصابه الموت (رو5: 12)، فامتد الموت والفساد إلى كل ما امتدت إليه يد الإنسان، فتحول من الراعي والمتعهِّد إلى المدمِّر والمخرِّب، أصبح كيانًا فاسدًا مُعديًّا ناقلاً العدوى والموت إلى كل ما حوله، وبالتالي إلي خليقة الله التي بدورها تئن وتتمخض، منتظرة من يعتقها من عبودية الفساد، وينقلها إلى حرية مجد أولاد الله (رو8: 22، 23).

إننا نستطيع أن نفهم من سفر التكوين أن الله خلق الأرض والنجوم والجلد الذي يحيط بالأرض بإعجاز مطلق، فهو تحكم في المسافات التي تفصل بينها، وفي سمك طبقة الغازات المكونة للغلاف الجوي الذي يحيط بكوكب الأرض، والتي تمنع وصول لهيب الشمس الحارقة إلى المخلوقات، سواء النباتية أو الحيوانية أو البشرية، ومجمل القول إن الله حفظ هذا الكوكب في “صوبة زجاجية”- ضابطًا الترموستات داخل هذه الصوبة بدقة بالغة، لتوائم حياة الكائنات التي خلقها عليها لتسكن فيها. ففي تكوين 2: 6 يتكلم الكتاب عن المبادئ أو القوانين التي تحكم الأرض فقال: «كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ الأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الأَرْضِ»، لأنه لم يكن مطر بعد على الأرض وهذا هو أسلوب الري الأساسي في الصوبات الزراعية كما نعرفها اليوم وحتى بعد حدوث الطوفان، والذي يعد كارثة كونية بيئية غيرت طبيعة حياة الإنسان على الأرض. ولقد وضع الله أساس تعامله بعد ذلك بقوله: «مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ زَرْعٌ وَحَصَادٌ وَبَرْدٌ وَحَرٌّ وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ ...» (تك8: 22).

إن تعبير “صوبة زجاجية كبيرة” - وهو نفس التعبير الذي يستخدمه علماء البيئة - هو وصف دقيق يلخص وضعية العالم الحالية ومعاناته، التي أصبحت أزلية من جرَّاء ما يُعرف بتأثير الصوبة الزجاجية، وهو أهم مُحفِّز على حدوث الاحتباس الحراري. فمن أهم صفات الصوبة الزجاجية، السماح بدخول أشعة الشمس الخارجية وتخزين جزء كبير منها، دون السماح لها بالنفاذ ثانية، وهو ما يعني ارتفاع درجة الحرارة بشكل واضح داخل الصوبة مقارنة بالجزء المحيط بها، وهذا هو تمامًا حال كوكب الأرض حاليًّا. فالطبقة الداخلية لغلاف الأرض الجوي تبدو كأنها محاطة بطبقة أخرى عازلة من الغازات والتي يطلق عليها “الغازات الدفيئة”، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون، وهذه الغازات تقوم بعمل زجاج الصوبة الزراعية، إذ تسمح هي الأخرى بدخول الإشعاع الشمسي ولا تسمح بنفاذ معظمه ثانية، مسبِّبة بذلك احتباس الحرارة بالداخل ومن ثم اكتواء جميع من بداخلها، سواء أكان إنسانًا أو حيوانًا أو غير ذلك بحرارة ذلك القيظ القاسي. وتراكم هذه الغازات على هذا النحو بكميات كبيرة وزائدة على الحد في طبقات الجو، أدَّى إلى تعاظم تأثير الصوبة الزجاجية، وبالتالي حبس كميات إضافية من الحرارة زائدة على الحاجة داخل الغلاف الجوي، مسبِّبة في النهاية ظاهرة Global Warming، المعروفة اصطلاحًا بظاهرة “الاحتباس الحراري”.

وقبل أن أتكلم عن التداعيات التي ستحدث كنتيجة حتمية لهذه الظاهرة، أريد أن أنوِّه أن الكتاب تنبَّأ في أكثر من موضع عن تغيُّرات ستحدث في “الشمس والقمر والنجوم” (إش34: 4؛ حز32: 7؛ يؤ2: 30، 31؛ مت24: 29؛ لو21: 25؛ رؤ6: 12، 13؛ 8: 13؛ 16: 8). وهذه التغيرات التي بدأنا برؤية ملامحها ستحدث قبل مجيء يوم الرب العظيم المخوف، أي يوم القضاء على الأرض والساكنين فيها، كما نراه في الجزء الثالث من سفر الرؤيا من أصحاح 6-19.

إن النتائج والتداعيات ستكون في الحقيقة كارثية، وسيصعب تحملها، ومن هذه التداعيات:

  • ذوبان أجزاء كبيرة من الجليد، مِمَّا سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البحر بمقدار قد يصل إلى تسعة أمتار كاملة، وهو ما يعني غرق أجزاء كبيرة من الجزر الاستوائية والدلتوات البحرية والمناطق الساحلية المنخفضة، وتُعد مصر على رأس الدول المتضررة.
  • زيادة معدل انتشار الأمراض والأوبئة المستوطنة مثل الفيروسات والملاريا وحمى الضنك والتيفود والكوليرا.
  • تدمير أو انخفاض إنتاجية بعض المواد الطبيعية الحيوية، وعلى رأسها الشعاب المرجانية والغابات المدارية، وهي من أهم الموارد على ظهر الأرض ومن أكثرها عطاء للإنسانية، يتبع ذلك زيادة معدلات انقراض الكائنات الحية، كنتيجة مباشرة لتدمير مثل هذه الموارد وعدم قدرة الكثير من كائناتها على التأقلم مع التغيرات الجديدة.
  • التصحُّر، أي زيادة نسبة الأراضي القاحلة وانخفاض الإنتاجية الزراعية كنتيجة مباشرة لزيادة نسبة الجفاف، وتأثر عدد كبير من المحاصيل الزراعية سلبًا بتغير درجة الحرارة والمناخ.
  • تغير أنماط الأمطار والثلوج وتيارات المحيطات وارتفاع ملوحة وحموضة مياه البحر، وما يتبع ذلك من زيادة موجات الجفاف وحرائق الغابات وحدة العواصف والفيضانات والأعاصير (رؤ7: 1-3).

ليس من المبالغة إذًا وصف هذه التداعيات بأنها مدمرة، وليس من قبيل المزايدة القول بأنها ستتسبَّب في رسم خريطة جديدة للكرة الأرضية، وللتوزيعات البشرية عليها. ولعل هذا ما دعا جموع العالم مؤخرًا إلى الاجتماع على هدف واحد، هو محاولة الحد من انبعاث الغازات الدفيئة ووقف ظاهرة الاحتباس الحراري. وعلى حسب ما أتوقعه ستبوء كل هذه المحاولات بالفشل، ليس فقط لأن وقف انبعاث هذه الغازات سيؤدي إلي ضغوط اقتصادية على هذه الدول، هي في الأساس تحاول أن تهرب منها، بل أيضًا والأهم لأن الله سيستخدم هذه الظاهرة في توقيع ضرباته الأخيرة على الأرض يوم اكتمال الغضب!

وسوف أقتبس شاهدين فقط من كلمة الله، الأول من العهد القديم: «وَالأَرْضُ تَدَنَّسَتْ تَحْتَ سُكَّانِهَا لأَنَّهُمْ تَعَدُّوا الشَّرَائِعَ غَيَّرُوا الْفَرِيضَةَ نَكَثُوا الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ» (إش24: 5). وهذه الآية تُلقي الضوء على الأسباب التي تجلب لعنة الله على الأرض في صورة “احتراق الأرض وسكانها”، وهي كما نرى ثلاثة أسباب:

 “تَعَدُّوا الشَّرَائِعَ”، فكما تكلمنا سابقًا إن الله خلق كل شيء «حسنًا جدًّا»، ووضع له نواميس وشرائع لتحكم الطبيعة، ولكن الإنسان كعادته ضرب بشرائع الله عرض الحائط (راجع تكوين 2: 16، 17؛ 3: 1-6؛ هوشع 6: 7).

 “غَيَّرُوا الْفَرِيضَةَ”. وكلمة الفريضة تعني كما جاء في Strong`s dictionary   تغير ما فرضه أو وضعه الله بالنسبة للتوقيتات أو الفضاء أو الكميات أو النوعيات*، ونظرة سريعة حولنا نجد فيها أن كل ما وضعه الله من فريضة وحكم فشل فيه الإنسان، وسقط في الامتحان «هُنَاكَ وَضَعَ لَهُ فَرِيضَةً وَحُكْما وَهُنَاكَ امْتَحَنَهُ» (خر15: 25).

“نَكَثُوا الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ”. العهد الأبدي المذكور هنا، ليس هو “عهد الناموس”، إذ إن عهد الناموس مؤقت وقد زيد (غل3 : 19)، وبالطبع ليس “عهد النعمة”، لأن عهد النعمة تمَّ بين الله والمسيح، والإنسان لم يكن طرفًا فيه (غل3 :15)، ولذلك لا يستطيع الإنسان أن ينقُض أو يُبطل هذا العهد، وعليه يمكننا القول إن المقصود بالعهد هنا هو عهد الله مع الإنسان برعاية الأرض وتعهدها، وهو المعروف عند المفسرين باسم “العهد الآدمي”، أو “عهد الله مع آدم”، فمن ضمن حيثيات هذا العهد أن يتعهد آدم الأرض وفق نواميس الله وشرائعه التي وضعها*، ولكن آدم ونسله من بعده قد نقضوا هذا العهد «لَكِنَّهُمْ كَآدَمَ تَعَدَّوُا الْعَهْدَ. هُنَاكَ غَدَرُوا بِي» (هو6: 7).

والنتيجة الحتمية “الحصاد المر”، الذي هو عنوان المقال. ولنسمع ما يقوله إشعياء استكمالاً لأقواله: «لِذَلِكَ لَعْنَةٌ أَكَلَتِ الأَرْضَ وَعُوقِبَ السَّاكِنُونَ فِيهَا. لِذَلِكَ احْتَرَقَ سُكَّانُ الأَرْضِ وَبَقِيَ أُنَاسٌ قَلاَئِلُ» (إش24: 6). لقد انطبق على الإنسان القول: «أحب اللعنة فأتته» (مز109: 17)، وقد حان الوقت ليكتوي بما اقترفته يداه من تعدٍّ آثم على نواميس الله وشرائعه.

أمَّا الشاهد الثاني فهو من العهد الجديد وتحديدًا رؤيا 16 : 8 وهذا الفصل يتكلم عن “سكب جامات الغضب على الأرض”، أو كما يسميها الكتاب “جامات غضب الله”، والجام الأول يتحدث عن التأثير المباشر لارتفاع درجة حرارة الأرض وهو حدوث “دمامل خبيثة وردية”، وكما جاء في بعض الترجمات “قرح رديئة في مظهرها ومؤلمة للمُصاب بها”. “horrible, painful sores” ، وهذه تُعدُّ من الأوصاف الدقيقة لسرطانات الجلد، التي من أسبابها المباشرة تعرُّض الجلد لجرعات عالية من الأشعة فوق البنفسجية نتيجة ازدياد حرارة الشمس، ولا يكتفي الكتاب بذكر التأثير ولكنه يُلقي بضوء على السبب ففي الجام الرابع، يقول: «ثُمَّ سَكَبَ الْمَلاَكُ الرَّابِعُ جَامَهُ عَلَى الشَّمْسِ فَأُعْطِيَتْ أَنْ تُحْرِقَ النَّاسَ بِنَار فَاحْتَرَقَ النَّاسُ احْتِرَاقًا عَظِيمًا، وَجَدَّفُوا عَلَى اسْمِ اللهِ الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى هَذِهِ الضَّرَبَاتِ، وَلَمْ يَتُوبُوا لِيُعْطُوهُ مَجْدًا».

إننا في يوم البشر (1كو4: 4)، نرى من حولنا غضب الطبيعة وتمردها على الإنسان مُتمثِّلا في الشمس، هذا بالمفارقة مع يوم مُلك سيدنا وربنا المعبود، والمعروف نبويًّا في كل الكتاب باسم “يوم الرب” حيث يُقال عنه: «وَيَخْجَلُ الْقَمَرُ وَتُخْزَى الشَّمْسُ لأَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ مَلَكَ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ. وَقُدَّامَ شُيُوخِهِ مَجْدٌ» (إش24: 23). يا لروعة جمال هذا اليوم حينما سيخضع كل شيء له وتهتف له كل المسكونة: «أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ! حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ!» (مز8: 1). فهو وحده المستحق كل المجد ولكنه في محبته لنا سيشركنا معه في هذا المجد «وَقُدَّامَ شُيُوخِهِ مَجْدٌ» (قارن مع رؤيا 4: 4). وبالطبع حينما نُستعلن في المجد ستُعتق الخليقة من عبودية الفساد (رو8: 22). فالخليقة تنظر إلينا وتنتظرنا، ونحن بدورنا ننظر إليه وننتظره، وعن قريب جدًّا لن يخزى منتظروه. له كل المجد.

مسعد رزيق