أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد نوفمبر السنة 2009
7 صور للاجتماع إلى اسم الرب في سفر النشيد
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«قومي يا جميلتي يا حبيتي وتعالي. يا حمامتي في محاجئ الصخر، في ستر المعاقل. أريني وجهك، أسمعيني صوتك، لأن صوتك لطيف، ووجهك جميل» (نش2: 13، 14).الأقوال السابقة تتضمن صورة أخرى جميلة للاجتماع إلى اسم الرب، وتحتوي على أفكار جديدة لم ترد في الصور السابقة. نذكر أربعًا منها:

أولاً: صفات المؤمنين:

“يا حمامتي”

العريس هنا يصف محبوبته بالحمامة. والحمام بسيط وطاهر ووديع وغير مؤذٍ. ويُمَيِّزه الإخلاص لوليفه. يقال إن ذكر الحمام لا يسمح مطلقًا لأي ذكر آخر أن يشاركه في أنثاه، وهو مستعد أن يمزق من تسول له نفسه بأن يفعل هذا، وهكذا أيضًا حال الأنثى مع أية أنثى أخرى تحاول أن تشاركها في وليفها. وهذا إن دل على شيء يدل على منتهى الإخلاص للوليف. وويرتبط بهذا حزن الحمام المفرط لو أنه فقد شريك حياته، إذ يظل يهدر، ولا يطيق الحياة بدون وليفه. منتهى الوفاء! هذا يذكرنا بما قاله الرسول بولس للمؤمنين في كورنثوس: «لأني خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو11: 2). وهو ينبغي أن ينطبق على المؤمن الفرد وعلى الكنيسة كجماعة. وإني أتساءل ما فائدة الانتظام في حضور اجتماعات العبادة، إذا لم يكن لدى المؤمنين محبة حقيقية للمسيح الذي يجتمعون إلى اسمه. في أول نبوة إشعياء يوجه الرب الاتهام لشعبه، ليس لأنهم قصروا في الحضور والممارسات والعبادات، بل لأنهم عملوا كل ما طلبه الناموس منهم دون محبة للرب. ليتهم ما كانوا عملوا شيئًا على الإطلاق (إش1: 11-15)!

صفة أخرى معروفة عن الحمام، هو أنه لا يقاوم لكنه يهرب. إنه لا يملك القدرة للدفاع عن نفسه، لكنه يعرف جيدَا أين يخفي نفسه. ولهذا نقرأ هنا عن «محاجئ الصخر». الحمامة تلجأ إلى محاجئ الصخر لأنها تشعر بالضعف في ذاتها. وهذا هو الشعور الذي ينبغي أن يُميِّز الأتقياء وهم ذاهبون إلى محضر الرب. ليس أننا كفاة من أنفسنا، ولا أننا أفضل من غيرنا، بل إننا في ذواتنا في منتهى الضعف. يقول الرب لشعبه الأرضي: «حينئذ أنزع من وسطك مبتهجي كبريائك، ولن تعودي بعد إلى التكبر في جبل قدسي. وأبقي في وسطك شعبًا بائسًا ومسكينًا، فيتوكلون على اسم الرب» (صف3: 11، 12). وهو نفس ما يقوله لملاك كنيسة فيلادلفيا، تلك التي لم يوجه الرب إليها أي لوم، إذ يقول له: «لأن لك قوة يسيرة» (رؤ3: 8). إن شعورنا بالمسكنة وبحاجتنا الماسة إلى المسيح، هو أهم ما ينبغي أن يُمَيِّز أولئك الذاهبون للاجتماع به (إش57: 15؛ 66: 2).

ثانيًا: مكان سجود المؤمن:

“في محاجئ الصخر في ستر المعاقل”

«محاجئ الصخر» تعني “شقوق الصخر”. والصخر هو المسيح. وهذا الشق الذي حدث في الصخر يُحَدِّثنا عن الصاعقة السماوية التي هوت على ربنا يسوع المسيح في الجلجثة. نحن نعرف أنه بعد ساعات الظلام فوق الصليب، انشق الحجاب، الذي هو صورة لجسد ربنا يسوع المسيح (عب10: 19)، فصار لنا مكان آمن فيه. وأما عبارة “ستر المعاقل” فإنها تعني حرفيًا خفايا المنحدرات. في خفايا المنحدرات ستختفي البقية التقية في ضيق الأزمنة. وأما نحن فلا نختفي الآن في المنحدرات، بل إننا مختفون في الأعالي. يقول الرسول: «لأنكم قد متم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله». أليس هذا رائعًا، أننا في سجودنا لا نكون هنا على الأرض، بل في الأقداس السماوية. ما أروع المدلول إذًا لمحاجئ الصخر وستر المعاقل! ففي “محاجئ الصخر” نتعلم أننا في المسيح، وفي “ستر المعاقل” نتذكر أننا في السماويات. نعم نحن “في السماويات في المسيح”.

إن شق الصخر يُحَدِّثنا عن جنب المسيح المطعون، الذي خرج منه الدم والماء. الدم فتح لنا الطريق إلى الأقداس، وأهلنا لذلك قضائيًا، والماء أهلنا لذلك أدبيًا.

وإذا كانت الحمامة تلجأ إلى محاجئ الصخر وستر المعاقل لأنها تريد أن تخفي نفسها، فإننا نحن بدورنا في محضر الرب لا نفكر في إظهار مجدنا، بل بالعكس. ولهذا فإن المرأة في الاجتماع تغطي رأسها، معلنة بذلك أن محضر الرب ليس مجالاً لإظهار مجد الإنسان (1كو11: 2-7). لا ننسى أننا الآن في زمان رفض المسيح. نحن حاليًا نحفظ كلمة صبره، ولكن سيأتي الوقت الذي فيه سيعترف المسيح بنا قدام ملائكة الله في السماء.

إن سرور الآب هو أن نقصد فقط مجد المسيح، وأن نراه وحده. وفي اجتماعات القديسين المفروض أن من يحضر الاجتماع لا يبهره جمال القاعة، ولا دقة النظام، ولا روعة الإمكانيات، بل «يخر على وجهه ويسجد لله مناديًا أن الله بالحقيقة فيكم» (1كو14: 25).

ثالثًا: تلذذ الرب بحضور المؤمن:

“أريني وجهك.. لأن وجهك جميل”

إن كانت العروس تحن إلى رؤية حبيبها، وسبق أن نادته قائلة: «أخبرني يا من تحبه نفسي.. أين تُربِض عند الظهيرة؟ لماذا أنا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟» فإن الحبيب أيضًا يشتاق إلى رؤياها. فهو هنا الذي يدعوها، ويقول لها: «قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي.. أريني وجهك». ترى ما هو تجاوبنا مع دعوة رقيقة كهذه؟ أيمكن أننا نتجاهلها وننصرف لحالنا، بدعوى أنه ليس لدينا وقت للوجود في محضر عريسنا الكريم؟

نتذكر أن راعوث رجعت من الحقل عند المساء، وأنها ذهبت عند قدمي بوعز عند المساء. وهكذا ينبغي علينا أن نرجع عند المساء من الحقل (العالم والتعب والخدمة) ونوجد عند قدمي الرب يسوع، بوعزنا (مصدر العز) الحقيقي.

أين نجد التمتع المشترك بصورة واضحة كما نجده في الاجتماع إلى اسم الرب، حيث يفرح الرب بقديسيه المجتمعين إلى اسمه، ويفرح المؤمنون بالرب الحاضر في وسطهم. هو يراهم وهم يرونه.

وهو يقول لها: «أريني وجهك.. لأن وجهك جميل». وطبعًا هذا الجمال من صنعه هو، فبالطبيعة لا جمال فينا. وما أحلى أن الرب في الاجتماع يرى من تعب نفسه ويشبع!

رابعًا: تلذذ الرب بصوت المؤمن:

“أسمعيني صوتك، لأن صوتك لطيف”

وكم يلذ للرب أن يسمع أصوات القديسين، لا صوت استغاثتهم وقت الخطر، ولا تضرعاتهم عند شدة الاحتياج، بل تسبيحهم وترنيمهم وسجودهم في كل حين. نعم إن الله يلذ له أن يسمع أصواتنا نحن، لا صرخاتنا فقط «لأنك حينئذ تتلذذ بالقدير، وترفع إلى الله وجهك، تصلي له فيستمع لك» (أي22: 26، 27).   يقول المرنم: «أغني للرب في حياتي، أرنم لإلهي ما دمت موجودًا، فيلذ له نشيدي وأنا أفرح بالرب» (مز104: 33). كم يلذ للرب أن يجد قديسيه مشتاقين إلى محضره، فيحضرون بل ويبتكرون إليه (إش26: ). عندئذ يرى وجوههم، وهناك يسمعونه أصواتهم.

نحن نقرأ في الأعداد السابقة عن صوت اليمامة (صورة للروح القدس)، ونقرأ هنا عن صوت العروس. وكأننا نسمع الروح والعروس يتكلمان. ونعرف من العهد الجديد أننا في سجودنا نسجد بروح الله، ولكننا لا نسجد قط لروح الله؛ ليس لأن الروح القدس في الأقنومية أقل من الآب والابن، حاشا، بل لأنه ساكن فينا، وهو الذي ينشئ فينا السجود لكل من الآب والابن. وفي آخر العهد الجديد نسمع صوت الروح والعروس يوجهان النداء للعريس قائلين له: “تعال”. وهكذا فإن سجودنا وتسبيحنا في الاجتماع ليس صادرًا منا بدون الروح القدس، بل إنه هو الذي ينشئ فينا هذا التسبيح وهذا السجود.

إذا أحب رجل فتاة، فإن كل موسيقى الدنيا لا يعادل في مسمعه صوتها. وهكذا لأن الرب يحبنا، هو لا يعنيه أن يسمع ألحانًا متقنة، صادرة من أصوات رخيمة، بل يهمه جدًا أن يسمع أصوات قديسيه، صادرة من قلوب نقية تحبه وتريد أن تكرمه. “ثمر شفاه معترفة باسمه” (عب13: 15). ومع ما حوته العبادة المسيحية في العقود الأخيرة من موسيقى مثيرة، وملابس متجانسة، وأصوات شجية، من عمل الإنسان ونتاج الطبيعة، نسينا أن الرب يسره أن يسمع أصواتنا نحن في السجود والتسبيح، صاعدة منا بعمل روحه القدوس.

إنه يسر بأصوات التضرع وانتظار المراحم، إن كنا في ضيقة، وهو يسمع (أعمال12: 5). كما يسر بسماع أصوات التسبيح والحمد. اجتماعات السجود، واجتماعات الصلاة.

نعم كم يسر الرب بحمامته عندما تجتمع إليه منفصلة عن العالم وتسمعه صوتها. في هذا المكان: محاجئ الصخر وستر المعاقل هو يود أن يراها كثيرًا.

يوسف رياض