أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يونيو السنة 2010
شاهدة صغيرة فى ظروف صعبة
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

 

إنها الغنيمة التي ربحت سالبها، بل الأسيرة التي حررت آسرهاإنها الجارية التي أحسنت إلى سَيِّدها، بل الضحية التي أشفقت على مُفترسهاإنها الفتاة التي مجَّدت إلهها في أصعب بل أسوَّد أحوالها.

جُرحت مثل شجرة البلسان، فسال منها المر القاطر فعطَّر المكان

وقُشِّرت مثل القرفة العطرة، وحُرمت من حضن أمها وأبيها فأنعشت روحًا يائسة

وكُسِّرت مثل قصب الذريرة، فكانت استقامتها سر مصداقيتها عند سيدتها

وسُلخت مثل السليخة فكانت وسيلة تطهير، ومعجزة ليس لها نظير في عصرها.

قصد الإله الحكيم، مُحدّدًا الزمان والمكان، أن تأتي تلك الفتاة بين غنائم الحرب، لتخدم في بيت نعمان، فكانت شمعة أضاءت وسط الظلام.

بنظرة العيان نجد البون بينهما شاسعًا وجلي البيان:

هو رجل، وهي فتاة.

هو جبار بأس، وهي صغيرة.

هو رئيس جيش، وهي جارية.

هو مرفوع الوجه عند سيده، وهي بين يدي مولاتها تخدم.

لكن ما لم تراه الأعين لهو أسمى وأثمن:

هي طاهرة، وهو أبرص.

سيدها رب الأنام، +وسيده ملك أرام.

تعبد الإله المقتدر، وهو يعبد صنمًا من حجر.

غناها في الإيمان والحب، وثروته من غنائم الحرب.

قد لا تُحْسَب في حساباتنا من الكارزين العظماءولا تُعدّ في مصاف خدام الله بين الرسل والأنبياءولا تأخذ حقها في الذكر بين شخصيات الكتاب، رجالاً أو نساءً، ولكن شهد رب المجد عن نتائج خدمتها عندما قال: «وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ» (لو4:7).

وكيف سمع نعمان عن أليشع؟ أ ليس من خلال هذا الرسول الصغير!

نعم لقد شهدت للرب شهادة عظيمة في ظروف أليمة.

أولاً: شهدت للرب برقة مشاعرها

لم تُشفق على نفسها، أو تندب حظها، أو تلوم الناس والأحداث، بل فاض قلبها بالحب الصادق، وبالمشاعر التي تدفقتوقد صاغ الوحي كل هذا في ذكره الكلمة التي بدأت بها حديثها القصير مع سيدها: «يَا لَيْتَ سَيِّدِي ...» (ع3). يا له من حب فريد! هل تُشفقين عليه أم ترثين لحالك؟ هل تتمنين شفائه أم ترين مرضه قصاص يستحقه؟ هل تترجين شفائه أم عتقك؟ إنها تساؤلات المنطق ودهشة العقل.

في كل مرة - في الكتاب المقدَّس - ذُكرت فيها كلمة «ليت»، نجد صرخة خرجت من قلب تأججت فيه المشاعر، ففاض بكل أنينه وحنينه، فنطق اللسان بالبيان:

قال موسى: «يَا ليْتَ كُل شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَل الرَّبُّ رُوحَهُ عَليْهِمْ!» (عد11: 29) ... مشاعر راعٍ حانٍ.

وقال أيوب: «لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ، وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ، وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلاً فَتَذْكُرَنِي» (أي14: 13) ... مشاعر مؤمن مُجرَّب.

وقال يايرس: «ﭐبْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍلَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا!» (مر5:23) ... مشاعر أبٍ مُحب.

وقال إشعياء «لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ!» (إش64: 1) ... مشاعر نبي صارخ.

وهنا تترجى تلك الفتاة ذات القلب الكبير، وقد رقت وأشفقت على سيدها «يَا لَيْتَ سَيِّدِي أَمَامَ النَّبِيِّ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَشْفِيهِ مِنْ بَرَصِهِ» (2مل5: 3) ... يا للمشاعر الحانية!

نعم يا لرقة المشاعر! رجل يستعبدها، يختلف عنها في الدين واللغة والعادات، لكنها أدركت إرسالية القدير، ولم تغلق أحشائها فأحبَّته.

أحبائي: هل لنا ذات المشاعر تجاه نفوس ثمينة حولنا، مات عنها المسيح؟ هل نصلي للرب ولسان حالنا: ”ليتك تُخلِّصهم! ... ليتك تُحررهم“!

وإن لم تكن لنا أحشاء المسيح فهيهات أن نشهد، فالنفوس تُجذب من قلوبها لا من عقولهاوإن كان عدو كل بر وإله هذا الدهر قد أغلق أذهانهم، فإن المحبة تغزو قلوبهم وتكسر قيودهم.

ثانيًا: شهدت للرب ببساطة رسالتها

لم تُقدِّم الحجج والبراهين، ولم تُثبت نظرياتها بالأدلة القاطعة، ولم تُفحم سامعيها بروعة البيان وفصاحة اللسان، لكن قدمت أعظم خبر سار لنفس أذلها الداء، وعرضت الخبر ببساطة متناهية، في كلمات قليلة يمكن صياغتها في قالب أبسط: ”نبينا يقدر أن يحل مشكلتك“.

«يَا لَيْتَ سَيِّدِي أَمَامَ النَّبِيِّ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَشْفِيهِ مِنْ بَرَصِهِ» ... يا لها من عبارة قصيرة لكنها تُصيب الهدف! كانت تعلَّم أن أليشع يُمثل الله في نعمته؛ لقد أرسله الله ومسحه نبيًا لكي يُبشِّر المساكين بالروح، والله في نعمته قادر أن يشفي علته. وهذه خلاصة رسالتها.

أحبائي: كم من المرات التي ضيعنا فيها فرصًا كثيرة لنقدم الخبر السار، وقد تذرعنا بعدم المقدرة أن نسوق البراهين، وتعللنا بعجزنا على إجابة الأسئلة، ومخاوفنا من الجدل العقيم، فأجرَّمنا بصمتنا في مناسبات عدة، بينما النفوس في عطشها ولهفتها تتوق إلى كأس ماء، وليس إلى موضوع إنشاء.

ثالثًا: شهدت للرب بعمق إيمانها

 إن إيمان هذه الفتاة الشجاعة ذات القلب الرقيق، يدعو للدهشةوإننا لنتساءل: هل سمعتِ في حياتكولو مرة واحدةأن أليشع شفى مريضًا بالبرص؟ هل قرأتِ في الشريعة والتاريخ المقدس أن مثل هذه المعجزة قد حدثت من قبل؟ ترى ماذا يكون جوابها؟ إني أتصورها تُجيب: الإله الذي يُقيم من الموت، يشفي من البرصالإله الذي رأيت نعمته تلمع في أليشع رجل الله، سوف يُشفق على هذا المسكينالإله الذي أرسلني إلى هنا يُريد أن يُعرّف الشعوب باسمهوهكذا قالت بكل الثقة واليقين: «النَّبِيِّ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ ... يَشْفِيهِ مِنْ بَرَصِهِ».

إنها لم تقل: “لن يخسر سيدي شيئًا إذا جرَّب حظه”. ولم تقل: “عسى أن يشفيه، أوربما يشفيه”. كلا، بل كان لها إيمان عظيم أن «غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ» (لو18: 27) ... الملك يُمزق ثيابه، ولكن الله يقول كلمة، ويكفي أن يُرسل الرب كلمته، والكلمة بسلطانها تشفي وتُحرِّر.

آه، كم من المرات التي فيها فاضت مشاعرنا بالحب، وانطلقت ألسنتنا بالشهادة، لكن كان ينقصنا الإيمان الذي يُسرّ به الله؛ إيماننا بأن إلهنا الحي القدير، صاحب السلطان المُطلق، القائل: «رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي» (إش46: 10). ومسرة الرب هي في خلاص النفوس، ولا يمنع يده مانع، ولا يقف أمام إرادته حائل، ولا يصعب على نعمته أعتى المجرمين أو أشر الخطاة.

رابعًا: شهدت للرب بصدق دوافعها

لم تطلب أو تشترط شرطًا، ولم تطمع في شيء، وما ترجَّت أن تُعتَّق حرة أو تُطلَّق إلى ذويها في حال شفاء سيدهالم تجذب قلبها هدايا نعمان التي كان يعدها لرحلته، لم يركض قلبها وراء ذهب أو ثياب، ولم تتوقع مدحًا أو تحلم بثواب، ولم تكن مثل جيحزي الذي يعيش مع رجل الله لكنه لم يفهم ولم يُميّز فكر الله أو مشاعره.

لقد علمت هذه الفتاة الصغيرة أنه ليس وقت أخذ بل وقت عطاء، ليس وقت اقتناء بل وقت شفاءكانت ترجو ما هو أعظم: مجد إلههااعتبارات مجد الله كانت أهم كثيرًا من مديحها ومكافآتهايا لها من نوعية يندر أمثالها في هذه الأيام التي ازدهرت فيها الذات!

أحبائي: هل نمتحن دوافعنا عندما نقدم أي خدمة لسيدنا المجيد؟ هل نتوق أن يُستعرَّض مجد سيدنا أم تُستعرَّض مواهبنا وقدراتنا؟ كم من المرات التي تلهفنا فيها لكلمات الإطراء، وعندما لم نلقها ألقينا اللوم واتهمنا إخوتنا بالجفاء وعدم التقدير وضيق الصدوركم من المرات شغلتنا أفكارنا عن أراء الناس فينا ونسينا أنه يجب أن يكون تاج غاياتنا أن يعلو ويزيد سيدنا ونحن ننقصيكفينا إكرام اسمه، وهو أمين أن يحفظ أجرتنا يوم نقف أمام كرسي المسيح، عندئذٍ نحظى بنعم المديح، وألا يكفي القلب هذا ويُريح، ألا يملأنا بالقناعة بل وبالصبر الجميل.

ليت رب الحصاد يُعيننا بنعمته لنعمل باجتهاد، وعيوننا على الأمجاد؛ على الأمور الأبدية الباقية، لا على أجر يزول، أو انطباعات ستبهت وينطفئ لمعانها مع الزمان، وندخر ذهبًا وأحجارًا كريمة ستلمع عندما تُمتحَّن في حضرة الحبيب.

أيمن يوسف