أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد نوفمبر السنة 2018
العسل وقطر الشهاد
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

وُعِدَ إسرائيل – بينما كان لا يزال في تعاسة العبودية في مصر – بـ«أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً» (خر٣: ٨)، إذ كان الرب يريد أن يجتذب رغبتهم الحارة، وألا يَحُول شيء بينهم وبين دخول أرض الموعد؛ كنعان. ومع أن الطريق خلال البرية طويل وشاق، إلا أن الوصول إلى كنعان كان محتمًا.

ولكن رغم أن أولاد الله يمضون خلال برية موحشة، وهذا هو طابع العالم كما يبدو في عين الإيمان، إلا أن هناك حقيقة أخرى صادقة، وهي أنه بالفعل في أرض الموعد؛ السماويات، مثلما هي مذكورة في الأصحاحين الأول والثاني من رسالة أفسس، وهو مدعوٌّ ليتمتع بكل البركات الروحية في السماويات. وهذه هي أرض موعدنا التي «تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً».

وليس من مجال للتساؤل عن مغزى اللبن، لأن الكتاب قال لنا: «كَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ» (١بط ٢: ٢). فاللبن هو غذاء كامل، وهو كافٍ تمامًا للأطفال المولودين حديثًا، وبذلك هو مثال ثمين لكلمة الله. ومع أن اللبن يتكلَّم عن الحقائق البسيطة والأساسية والجوهرية للكلمة، فإنه يوجد أيضًا الطعام القوي للبالغين (عب ٥: ١٢-١٤)، واللازم لكي ينمو المرء ويبلغ. ولكن يجب ألا نفقد رغبتنا في الأشياء البسيطة من كلمة الله، بغض النظر عن مدى تقدمنا في تعلُّم الأشياء الأكثر عمقًا.

ولكن إن كان اللبن يتكلَّم عن كلمة الله، فإن العسل لا بد أن تكون له أهمية، وله اتصال وثيق مع الكلمة. فالعسل ليس طعامًا متكاملاً مثل اللبن، ومع ذلك له قيمة خاصة ملحوظة، ومزاياه الصحية لا تُنكَر، لذا دعنا نُفكِر كيف يُنتَج.

ينتشر النحل الشغال في كل اتجاه من خلية النحل، ليهبط على الزهور من مختلف أنواعها، ليمتص الرحيق من الأجزاء الغضة منها، ثم يطير عائدًا إلى الخلية، ليهضم الرحيق، وهكذا يتم إنتاج العسل، ليُختَزن في قرص الشهد، ليكون طعامًا لكل الخلية عندما تحين الحاجة إليه. ويا للنشاط المُنتِج والنافع لكل الخلية! ويا لها من صورة جميلة لكنيسة الله! فلا مجال للأنانية هنا، ولا تفضيل لواحد على الآخر، ولكن الكل يسهمون في خير الجميع، وكل نحلة مُستعدَّة لأن تُضحي بنفسها من أجل الخلية. فيا له من درس لقلوبنا نحن!

ولذلك فمهما كانت حقيقة العسل، فهو ليس مثالاً لكلمة الله ذاتها، ولكن لخدمة الكلمة، التي بواسطتها تُعطىَ للمؤمن القدرة أن يبني الآخرين في معرفة الله. ولكن يجب أن يهضم هو الحق أولاً، قبل أن يكون قادرًا على تفصيله باستقامة، لكيما يُوّصله للآخرين. ومن هذا تكون بالحقيقة حلاوة العسل وقيمته.

ولكن ليس فقط أن الآخرين هم الذين يُباركوا؛ لأن قلب الرب يسوع نفسه يجد مسرته في امتداح هذه التجمعات المجتهدة، وتوزيع أمور الكلمة الثمينة عليهم «شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ، وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ» (نش ٤: ١١). ونرى في قرص الشهد الحق مُرتبًا في أسلوب منظم ومخزونًا لحاجة الجميع. وهكذا فإن قرص الشهد يُصوّر بطريقة جميلة مثل تلك التحريضات التي خاطب بها الرسول بولس تيموثاوس: «تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا» (٢تي ١: ١٣، ١٤)، وأيضًا «اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ ِللهِ مُزَكّىً، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ» (٢تي ٢: ١٥). وطاعة مثل هؤلاء الذين صارت لهم هذه التوصية سيكون لها تأثير أكيد على حياتنا وشفاهنا، الأمر الذي يُسرّ قلب ربنا المُنعِم القدوس، فضلاً عن أن له قيمة كبرى للآخرين. وفي الواقع أن حقيقة بركاتهم للآخرين تُفرِح الرب ذاته.

وهناك تعبير آخر هام نجده في سفر التثنية ٨: ٨ «أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ وَعَسَلٍ». وزيت الزيتون يُقدِّم لنا صورة لروح الله. ونعلم أن هذا أيضًا ضرورة جوهرية بالنسبة لجمع وتقديم كلمة الله الثمينة «لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ» (١كو ١٢: ٧). وهذا يعني أن الروح لا يُعطى فقط لتعزيتنا وبركتنا، بل أيضًا لفائدة الآخرين وخيرهم.

وأيضًا يقول موسى عن إسرائيل: «أَرْضَعَهُ عَسَلاً مِنْ حَجَرٍ، وَزَيْتًا مِنْ صَوَّانِ الصَّخْرِ» (تث ٣٢: ١٣). وهذا يصعب شرحه حرفيًا، ولكن طالما أن «الصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ» (١كو١٠: ٤)، أَفلا يتضمن هذا تعليمًا ثمينًا أن مصدر الخدمة هو المسيح ابن الله، والذي منه ينهل كل قديس الغذاء الحلو من البركات، ليس فقط لنفسه، ولكن أيضًا للآخرين؟ «لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. لِذَلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا» (أف ٤: ٧، ٨).

ومع أن إسرائيل تبارك بهذا “العَسَل مِنْ حَجَرٍ”، عند مجيئه من مصر، إلا أنه لاحقًا رفض أن يُصغي إلى صوت الله. وما كان عليهم أن يلوموا أحدًا إلا أنفسهم، لحالتهم الموحشة الجائعة. ويقول الرب في مزمور ٨١: ١٣ «لَوْ سَمِعَ لِي شَعْبِي، وَسَلَكَ إِسْرَائِيلُ فِي طُرُقِي»، ويُضيف في عدد ١٦ «كَانَ أَطْعَمَهُ مِنْ شَحْمِ الْحِنْطَةِ، وَمِنَ الصَّخْرَةِ كُنْتُ أُشْبِعُكَ عَسَلاً». إنه يمكن أن نجد في إحدى المرات عسلاً صافيًا ننهله من الرب يسوع، فتمتلئ نفوسنا بالفرح، ومع ذلك فبسبب الرخاوة والإهمال، نسقط في حالة من العصيان واللامبالاة، فنحرم من الشبع بالمسيح، ولا نعود نتمتع بحلاوة طعام محبته لأنفسنا؟ ليت كلمة الرب ذاتها تُعيدنا إلى الحق وإلى الحقيقة، لنجد سرورًا لا يُعبَر عنه، في محضره، وفي كمال وكفاية مؤونته لاحتياجاتنا.

لقد كانت هناك أيضًا فترات للصراع مع الأعداء. فهل نستطيع أن نعيش بدون طعام صحي في مثل هذه الأوقات؟ ففي الأصحاح الرابع عشر من سفر صموئيل الأول، منع الملك شاول جيوش إسرائيل من تناول الطعام، إلى المساء، لكي يُكرسوا أنفسهم فقط للمحاربة «وَضَنُكَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ شَاوُلَ حَلَّفَ الشَّعْبَ قَائِلاً: مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْكُلُ خُبْزًا إِلَى الْمَسَاءِ حَتَّى أَنْتَقِمَ مِنْ أَعْدَائِي. فَلَمْ يَذُقْ جَمِيعُ الشَّعْبِ خُبْزًا» (ع ٢٤). ولكن يوناثان - وهو الذي كان الواسطة التي استخدمها الرب للانتصار – لم يسمع بهذا الحلف، وعندما وجد عَسَلاً عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ «مَدَّ طَرَفَ النُّشَّابَةِ الَّتِي بِيَدِهِ وَغَمَسَهُ فِي قَطْرِ الْعَسَلِ وَرَدَّ يَدَهُ إِلَى فَمِهِ فَاسْتَنَارَتْ عَيْنَاهُ» (ع ٢٥-٢٧). فيجب ألا ينشغل أحد بالحرب إلى حد أن يهمل خدمة كلمة الله مثلما كان يومئذٍ «فَأَعْيَا الشَّعْبُ» (ع ٢٨)، حتى أنهم ما عادوا بقادرين على حسم الصراع وإتمام الانتصار. ولكن دعونا نأخذ وقتًا لخدمة كلمة الله الحلوة، من ثم تستنير عيوننا، ونكون لائقين للمحاربة الحسنة التي من الله، حسب مبادئ الحق.

«يَا ابْنِي، كُلْ عَسَلاً لأَنَّهُ طَيِّبٌ، وَقَطْرَ الْعَسَلِ حُلْوٌ فِي حَنَكِكَ. كَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْحِكْمَةِ لِنَفْسِكَ. إِذَا وَجَدْتَهَا فَلاَ بُدَّ مِنْ ثَوَابٍ، وَرَجَاؤُكَ لاَ يَخِيبُ» (أم ٢٤: ١٣، ١٤). فمن الواضح أن الحقيقة هنا أن مجرد الأكل الحرفي للعسل، ليس هو الفكر بالغ الأهمية في ذهن روح الله، ولكن عندما نأكل العسل فإن ذلك يُنتِج معرفة الحكمة للنفس. وعليه فنحن نرى هنا كيف يُمثل العسل ببساطة خدمة الله؛ فهو يؤكل لأن أكله حسن، وحلو المذاق. فليتنا نولي التفاتنا لنصيحة سليمان الحكيمة هذه.

ولكن يجب علينا أن نتأمل أيضًا هذه الأقوال السامية، ومدى انطباقها على ابن الله المبارك، والذي قيلت عنه الكلمات السامية: «وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ. زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ» (إش ٧: ١٤، ١٥). وهذه الأقوال تُعلّمنا بوضوح حقيقة إنسانية الرب يسوع، ولاهوته الأزلي. فاسمه بالتحديد هو «عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا» (مت ١: ٢٣). ولكن ما مغزى القول: «زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ»؟ فبالنعمة المتضعة وكمال استناد إنسانيته الحقة، فإنه كان يتغذى باستمرار على الحق الإلهي «أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ، يُوقِظُ لِي أُذُنًا، لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِينَ» (إش٥٠: ٤). وهنا نرى اختبارًا يوميًا للتعلُّم من الله. والزُبْد هو دسم اللبن في صورة صلبة جامدة بواسطة عملية خَضِّه. ولذلك فالزُبْد يتكلَّم عن غنى كلمة الله التي تُصبح ميسورة ومُتاحة للنفس عن طريق تدريبات واختبارات الضمير والقلب.

أما بالنسبة للعسل، أفلم يكن ذلك أيضًا هو الاعتناء الأعمق من جانب الصبي يسوع، نحو الارشادات التقوية من أبويه عن الحق الإلهي؟ فنحن نراه في الهيكل يسمع ويُوَّجه أسئلة لمعلمي الشريعة (لو ٢: ٤٦). ولا شك أن الخدمة التي قدماها هي بالتأكيد ما يُسمى بــــ“العَسَل”. ومع ذلك نرى فيه الإدراك بأنه علم كيف يرفض الشر ويختار الخير. وهنا أمر بالغ الأهمية أيضًا لنفوسنا، بالارتباط مع كل خدمة؛ فالأنبياء يتكلَّمون، والآخرون يحكمون بالنسبة للحق، ولقيمة ما يتكلَّمون (١كو ١٤: ٢٩). وهذا التمييز يحتاج أيضًا لغذاء متواصل على الحق نفسه، ولا يمكنه أن يتجاهل خدمة القديسين.

ومع ذلك يوجد تحذير آخر نصَّ عليه الكتاب المقدس بالنسبة للعسل. فالإشارة الأولى له في كلمة الله ترد في كلام يعقوب لأولاده بخصوص النزول إلى مصر لكي يبتاعوا القمح: «خُذُوا مِنْ أَفْخَرِ جَنَى الأَرْضِ فِي أَوْعِيَتِكُمْ وَأَنْزِلُوا لِلرَّجُلِ هَدِيَّةً. قَلِيلاً مِنَ الْبَلَسَانِ وَقَلِيلاً مِنَ الْعَسَلِ وَكَثِيرَاءَ وَلاَذَنًا وَفُسْتُقًا وَلَوْزًا» (تك ٤٣: ١١). وحذَّرنا أحكم الناس بالقول: «أَوَجَدْتَ عَسَلاً؟ فَكُلْ كِفَايَتَكَ، لِئَلاَّ تَتَّخِمَ فَتَتَقَيَّأَهُ ... أَكْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَسَلِ لَيْسَ بِحَسَنٍ، وَطَلَبُ النَّاسِ مَجْدَ أَنْفُسِهِمْ ثَقِيلٌ (ليس مجدًا)*» (أم٢٥: ١٦، ٢٧).

ولكن يجب ملاحظة أنه لم تُعطَ هذا التحذيرات بخصوص اللبن، والذي يرمز لكلمة الله نفسها. أما خدمة الكلمة، أي أفكار الناس بخصوص الكلمة، بغض النظر عما إذا كانت حلوة وصائبة وثمينة، فإنها يجب ألا تُمثل سوى قدر محدود من غذائي، حتى لو كانت هذه الأفكار صحيحة. فقد لا أستطيع أن أحصل على قدر كبير مما يلزم من الكلمة، ولكن قد أتحصَّل بسهولة على قدر كبير جدًا من أفكار الناس بخصوصها. ولذلك يتعيَّن على المستمع أن يكون حريصًا على ألا يُقحم نفسه في التكلُّم بأكثر من اللازم. فالعسل حلو، وصحي أيضًا، ولكن ليس بكميات كثيرة. ويجب على الذي يخدم الكلمة أن يتحكم في روحه «وَأَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاءِ» (١كو ١٤: ٣٢)، وألا يندفع بأكثر من اللازم ليُبرِز نفسه في المشهد. وكذلك على المستمع أن يتعلَّم أن يُميّز الحق، وأن يتخذ وقتًا للتفكير بالرجوع إلى كلمة الله نفسها (أع ١٧: ١١). فيجب عليَّ ألا أعتمد على العسل الذي هضمه آخرون ويُقدّمونه لي، ولكن يجب عليَّ أن أرجع للكلمة، وأن أستخدم قدرتي على الهضم، في الشركة مع الرب نفسه. وأقول أيضًا إن حتى أفكاري الشخصية عن كلمة الله ليست كافية للطعام. إنني أحتاج إلى الكلمة ذاتها، والتي هي أعلى بما لا يُقاس عن أعظم أفكاري عنها.

والخطر لا يقتصر فقط على أن يُصبِح الآكل مُتخمًا ويتقيأ، ولكن يوجد أيضًا خطر آخر هو أن يمتص كثيرون أفكار شخص ما، فبسهولة يُعظِم هذا الشخص «أَكْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَسَلِ لَيْسَ بِحَسَنٍ، وَطَلَبُ النَّاسِ مَجْدَ أَنْفُسِهِمْ ثَقِيلٌ (ليس مجدًا)» (أم ٢٥: ٢٧). ما أمكر أعمال قلوبنا الأنانية، فنحن قد نستخدم أحيانًا البركات العُظمى والثمينة، بطريقة تجعلنا نسعى لمجد أنفسنا. فليحفظنا إلهنا وأبونا من هذا لنكون أكثر صدقًا وبساطة في خدمتنا لبعضنا البعض «هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا» (١كو١٤: ١٢).

كذلك يوجد أيضًا خطر آخر أشد رعبًا، ويلزم أن نُشير إليه. فمن الممكن أن تختلط الخدمة بالفساد. فقوة روح الله مكَّنت شمشون أن يقتل أسدًا بسهولة مدهشة، في طريقه إلى تِمْنَة. ولكن لما رجع بعد أيام ليأخذ لنفسه زوجة فلسطينية، وجد «وَإِذَا دَبْرٌ (جَمَاعَةٌ من النَّحْلِ) فِي جَوْفِ الأَسَدِ مَعَ عَسَلٍ» (قض ١٤: ٦-٩). وهذا أمر خارج تمامًا عن الوضع الطبيعي. فمن المعروف أن النحل يتميز بالنظافة بصورة غريزية، ومن الطبيعي أن يتجنب شيئًا كالنتانة في رمَّة ميتة. فمن يستطيع أن يشك في أن الله نفسه، سمح لهذه الحالة الاستثنائية لكي يتكلم إلى ضمير شمشون؟ وهل سمح شمشون لنفسه باستخدام القدرات الموهوبة له من الله، بطريقة تتعارض مع الطبيعة الجديدة للمؤمن؟ أَلم يكن هذا خلطًا بين قوة الروح وبين فساد الموت، في ضوء الواقع غير السليم للارتباط مع امرأة فلسطينية؟ ومع ذلك - للأسف - لم يُغيِّر هذا التحذير فكره، لأنه أكل من العسل، وأعطى منه لآخرين «كَانَ يَمْشِي وَيَأْكُلُ، وَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَعْطَاهُمَا فَأَكَلاَ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمَا أَنَّهُ مِنْ جَوْفِ الأَسَدِ أَخَذَ الْعَسَلَ». ومضى في مشروعه للزواج ونتائجه المؤسفة. وإذا كان الأسد الميت يُشير إلى الشيطان باعتباره العدو المهزوم بالفعل، فلماذا إذًا أسمح لنفسي - بأية وسيلة – أن أنخدع به، وأقبل بأمور مُعرَّضة للظنون والشكوك، في خدمتي للمسيح؟

دعونا نتذكَّر أن الله قد قال: «مِنَ الصَّخْرَةِ كُنْتُ أُشْبِعُكَ عَسَلاً» (مز ٨١: ١٦). بينما نجد هنا أن التعبير كما لو كان: “مِنَ جيفة الأسد كُنْتُ أُشْبِعُكَ عَسَلاً”! ليت خدمتنا لله تكون نقية من كل صورة للفساد أو التلوث. ويقول الرسول بولس: «لأَنَّنَا لَسْنَا كَالْكَثِيرِينَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ، لَكِنْ كَمَا مِنْإِخْلاَصٍ، بَلْ كَمَا مِنَ اللهِ نَتَكَلَّمُ أَمَامَ اللهِ فِي الْمَسِيحِ» (٢كو ٢: ١٧).

لنتطلع إلى خدمة يوحنا المعمدان الصريحة النقية عديمة الأنانية، من حيث التشابه الجميل مع خدمة الرسول بولس، وفي مباينة لخدمة شمشون. فخدمة يوحنا المعمدان كانت في انفصال تقوي عن الشر، وفي تمجيد تكريسي لشخص المسيح. وهو لم يسعَ إلى جمع تلاميذ أو أتباع له، ولكنه حوَّل أعين الجميع نحو الرب يسوع المسيح، «وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا» (مت ٣: ٤). وهذا الطعام يشهد بذاته عن الانفصال إلى الله. فالجراد يتكلَّم بحزن عن الخراب الروحي لإسرائيل (عا١). وتناول يوحنا للجراد يعني إحساسه العميق بهذه الحالة أمام الله. أما عن العسل البري فهو يتكلَّم عن تباين سعيد مع هذه الحالة، بجمعه لحلاوة خدمة حق الله، من غير المصادر العادية والمتوطنة، مثل تلك التي من معلمي الشريعة، بالارتباط مع الهيكل، ولكن بالانفصال عن كل هذا، في اختبار الانفراد والعزلة في البرية. ويجب على كل خادم للرب – من بعض النواحي الأدبية الواقعية – أن يكون له اختبار مماثل، ليكون على انفراد أكثر مع الله، وأن يجمع «عَسَلاً بَرِّيًّا»، ليس فقط لغذائه الشخصي، ولكن أيضًا لبركة الآخرين.

وبالارتباط بهذا الموضوع، يوجَد شيء ذو أهمية قصوى لا يجوز تجاهله؛ أي ذبيحة ربنا يسوع المُباركة «كُلُّ التَّقْدِمَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُونَهَا لِلرَّبِّ لاَ تُصْطَنَعُ خَمِيرًا، لأَنَّ كُلَّ خَمِيرٍ، وَكُلَّ عَسَلٍ لاَ تُوقِدُوا مِنْهُمَا وَقُودًا لِلرَّبِّ» (لا ٢: ١١). فكم يبدو لافتًا للانتباه هنا أن الخمير والعسل مرتبطان معًا، وأنهما على حد سواء ممنوعان في التقديمات. لأن الخمير يتكلَّم بوضوح عن الشر، ونحن نعلم بالطبع أن الفساد لا يمكن على الإطلاق، وعلى مدى الدهر والأبد، أن يتطرق إلى ذبيحة الرب يسوع. أما العسل فهو من الناحية الأخرى طعام لا يفسد، ومع ذلك – كما رأينا في حالة شمشون – يمكن أن يوجد في موضع الفساد.

ولكن لما كان العسل يتكلَّم عن خدمة الحق، فمن المؤكد تداخل الأفكار البشرية حول الحق، بغض النظر عن كونها جيدة أو حلوة أو ما إلى ذلك، ولكن لا مكان لها على الإطلاق في تقدمة الرب يسوع الفريدة على صليب الجلجثة. فهذه التقدمة تقف متفردة في كل عظمتها. ومهما كانت أفكارنا حولها، حلوة أو طاهرة، فهذه الأفكار ليس لها شأن بالتقدمة نفسها، وهي عمل أتمَّه ابن الله «صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا» (عب ١: ٣)، ولا نستطيع أن نُضيف شيئًا إليه. وطالما أن فساد الخطية مرفوض هنا، فإن أعظم أفكار الناس الروحية مرفوضة أيضًا مهما كانت ثمينة. والأكثر من ذلك أن التقدمة وهي «وَقُودَ رَائِحَةِ سُرُورٍ لِلرَّبِّ» (لا ٢: ٢)، كانت بعيدة عن الحلاوة الحقيقية للمُخلِّص المُبارك. فالتقدمات كانت تُملَّح بملح، ولكن لا يُضاف إليها شيء من العسل.

وأيضًا بالنسبة لطعام البرية، فإن المَنّ – كما يُخبرنا الكتاب - «َطَعْمُهُ كَرِقَاقٍ بِعَسَلٍ» (خر ١٦: ٣١). والمَنّ يتكلَّم عن المسيح في اتضاعه. وكان المَنّ طعام صلب، طعمه كرقاق من دقيق، ولكنه - بلا شك – بطعم العسل أيضًا، وهذا يُشير إلى تقدير واستمتاع الآكل. ويا لها من مؤونة ثمينة في عالم البرية!

وأخيرًا يوجد نصان من الكتاب المقدس، محفوران بعمق في قلوبنا، ولهما مغزى عظيم في هذا الشأن: أولاً مزمور ١٩: ٧-١١، فبعد التكلُّم عن “نَامُوسُ الرَّبِّ”، “شَهَادَاتُ الرَّبِّ”، “وَصَايَا الرَّبِّ”، “أَمْرُ الرَّبِّ”، “خَوْفُ الرَّبِّ”، “أَحْكَامُ الرَّبِّ”، يُعلِن أنها «أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ. أَيْضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا، وَفِي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ». ويُسجّل كاتب المزمور عن اختباره السعيد بالمصادقة على ذلك في مزمور ١١٩: ١٠٣ «مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي».

إذا كان العَسَل يعني – كما رأينا آنفًا – حلاوة خدمة الكلمة، إلا أن الكلمة نفسها «أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ». ومثلما أن ذبيحة المسيح تحتل موقعًا متفردًا على وجه الإطلاق، فهكذا أيضًا كلمة الله. فالخدمة لها موقعها، ولكن الكلمة لها موقع أسمى وأحلى بما لا يُقاس. وإذا كان من شأن الخدمة أن تُوقظ فينا عطشًا أعمق للكلمة نفسها، ففي هذه الحالة هي تخدم في غرضها الصحيح. وبينما نحن نُقدّرها – بالصواب – “كالعَسَل”، فإن كلمة الله سيُصبِح في اختباراتنا «أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ» مذاقًا، وتحتل موضعًا أكثر قيمة بكثير من جميع الوسائل التي نستعين بها لنفهمها. إنها تربطنا بالرب، وبأفكاره، ولكنها بالأحرى تُزيد من تدفق المحبة للآخرين، ولا تُنقِص منها. فما أعجب وما أثمن طرق الله! «وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي» (إر ١٥: ١٦).

ل. م. جرانت


*«كَمَا أَنَّ الإِكْثَارَ مِنِ الْتِهَامِ الْعَسَلِ مُضِرٌّ، كَذَلِكَ الْتِمَاسَ الْمَجْدِ الذَّاتِيِّ مَدْعَاةٌ لِلْهَوَانِ» (أم ٢٥: ٢٧ – ترجمة الحياة).

ل.م. جرانت