أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد يناير السنة 2014
اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

تألم حبقوق من الأوضاع الرديئة التي حوله، حيث كثر الظلم، والحكم يخرج معوجًا. ويبدو أن الكيل قد فاض به، فاندفع يعاتب الرب موجها إليه العديد من الأسئلة. وفي الواقع أننا مثل حبقوق تمامًا؛ لدينا حيرة كبيرة عن أمور قد تبدو مبهمة حولنا، على أننا لن نجد إجابة عنها إلا إذا تواجدنا أمام الرب.

ودعونا نتأمل في ثلاثة أسئلة محيرة وجهها حبقوق للرب:

أولاً: «حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ أَدْعُو وَأَنْتَ لاَ تَسْمَعُ؟ أَصْرُخُ إِلَيْكَ مِنَ الظُّلْمِ وَأَنْتَ لاَ تُخَلِّصُ؟» (حب1: 2).

لقد ظن حبقوق، مثل ما يحدث معنا، أن عدم تدخل الرب السريع يعني أن الرب لا يسمع الصراخ، ولا يبالي بأنين المسكين. على أن من يقرأ كلمة الله، ويتأمل في معاملات الله العجيبة مع شعبه، يكتشف ببساطة أن الرب يسمع ليس فقط الصلاة والصراخ، لكن حتى التأوهات الدفينة «تَأَوُّهَ الْوُدَعَاءِ قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ» (مز10: 17). فحينما نجلس أمام الرب بقلب منسكب، يملؤنا الروح القدس بهذا اليقين «عَيْنَا الرَّبِّ نَحْوَ الصِّدِّيقِينَ، وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ» (مز34: 15). بل أيضًا يمتلئ القلب يقينًا أن الرب دائمًا لديه خطة لخلاص طالبيه «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي ... وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ ... فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ ... وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ» (خر3: 7، 8).

ثانيًا: «لِمَ تُرِينِي إِثْمًا، وَتُبْصِرُ جورًا؟» (حب1: 2).

وكأن حبقوق يعاتب الرب على سماحه بالأوضاع المقلوبة والظالمة. وكم من المرات لمنا الله – بجهالة منا - وكأنه لا يبالي، كما قالت مرثا له: «يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي؟» (لو10: 40)، أو كما قال التلاميذ مرة له: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» (مر4: 38).

لكننا إذ نتضع أمامه، ونهدأ في حضرته، يسهل علينا أن نستمع لهمساته، فبنوره نري نورًا. ويذكرنا الروح القدس بأقوال الرب التي تؤكد أنه يبالي بآلام أتقيائه «فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ» (إش63: 9). كما أن نفوسنا تهدأ أيضًا أذ نعرف أننا في يوم البشر – في زمان رفض المسيح من العالم - لكن سيأتي اليوم القريب بمجيئه حين تُوضع أعداؤه موطئًا لقدميه.

ثالثًا: «لِمَ تَنْظُرُ إِلَى النَّاهِبِينَ وَتَصْمُتُ، حِينَ يَبْلَعُ الشِّرِّيرُ مَنْ هُوَ أَبَرُّ مِنْهُ؟» (حب1: 13).

هكذا ظن حبقوق، لكن حاشا للرب أن يصمت أمام الظلم، وإن كان «الْقَضَاءَ عَلَى الْعَمَلِ الرَّدِيءِ لاَ يُجْرَى سَرِيعًا» (جا8: 11). «ألم يرسل الرب إيليا لأخاب ليقول له: «فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا»؟ (1مل21: 19). فلا بد أن يأتي يوم القضاء، حيث يتم القول: «أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا» (2تس1: 6).

أحبائي: لن تخلو البرية من المواقف المُحَيِّرة، والأسئلة التي لا إجابة عنها، لكن دعونا ندخل بها إلى حضرة الرب، وأمام نور كلمته سنجد الإجابات التي بحسب قلبه، فهو يرحب بنا قائلاً: «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا» (إر33: 3).




إيليا كيرلس